الليبرالية. عيب!!

قلت في الحلقة السابقة إن جريدة «السياسة» في مطلع السبعينات الميلادية كانت تعج بالكتَّاب المبدعين من مختلف المدارس والاتجاهات، وذكرت منهم الصديق الدكتور أحمد الربعي (شفاه الله)، والزميل عبد اللطيف الدعيج (أبوراكان) الذي كان نائباً لرئيس التحرير الأستاذ أحمد الجارالله والذي علّمنا (أي أحمد) – بصدق – وهذه شهادة للتاريخ – كيف تكون حرية الصحافة وكيف يكون الكاتب حراً برأيه حتى ولو كان معاكساً لرأي رئيس التحرير وتوجهات صحيفته أيضاًً، لدرجة أننا نحن كتّاب الصفحة الأخيرة في مرحلة زيارة السادات للقدس كنا نكتب ضد تلك الزيارة بل ضد رئيس تحريرنا (أبومشعل الجارالله)- الذي كان مؤيداً- لتلك الزيارة، لذلك كان يجد القارئ أننا كنا نشتم الجارالله على الصفحة الأخيرة وهو يشتمنا على الصفحة الأولى من جريدته «السياسة». وبالرغم من ذلك كان يحترمنا ونحترمه ولو أننا كنا (نعيّره) حينما يقول لنا (أنا ليبرالي)، وذلك لزعمنا – آنذاك – أن الليبرالي – هو من لا موقف له ولا التزام أيديولوجي في الوقت الذي أصبحت فيه هذه المفردة اليوم والمتعلقة بـ (الحرية) أو هي ترجمتها الحرفية (ليبرتي) تعنى لدى العامة أو من شوهوها لهم هذه (الخلطبيطة) من الاشتراكية والقومية والوطنية والتقدمية والانفلات والإلحاد والعياذ بالله. وجرى عليها مثلما جرى على (الحداثة) من تأويل وتشويه. ما علينا من ذلك كله – أقول كانت جريدة «السياسة» تجمع كل الأطياف (الشيوعي والبعثي والقومي العربي والمنتمي للإخوان المسلمين والحكومي والمعارض والبوهيمي والفوضوي والصعلوك ومن مختلف الأقطار (اللبناني والمصري والفلسطيني واليمني والسوداني والسوري والحضري والبدوي – على حد سواء). وكانت الألفة والعلاقة المشوبة بالمحبة والتقدير تسود هذا الجو العاصف الموّار، لدرجة أنهم يختلفون على صفحات (الجريدة) ويسهرون في الليل معاً في بيت أحد الزملاء بغض النظر عن جنسيته أو أصله أو اتجاهه، وأذكر أنه اجتمع في جريدة «السياسة» في أواخر القرن المنصرم أسماء عربية هامة مثل محمود السعدني من مصر، وحسن العلوي من العراق، وناجي العلي من فلسطين، وقاسم أفيوني من لبنان، ومصطفى أبو لبده من فلسطين، ناهيك عن أسماء مبدعة كما قلنا مسبقاً من كويتيين مثل سليمان الفهد، وعبد الله المحيلان، وأحمد الديين، وعبد الله النفيسي وحسين العتيبي، وفيصل القناعي، وأنور حماطي، وعبد اللطيف السعيد (جهراوي)، ومطلق مساعد العجمي، والشاعر المبدع فيصل السعد الذي فتح لي بوابة الشعر وأضاء لي طريق الإبداع، وقادني إلى رابطة الأدباء لألتقي بالأب خالد مسعود الزيد يرحمه الله ومن ثم المرحوم عبدالله العتيبي وخليفة الوقيان. وأذكر من الزملاء الآخرين الكابتن رمزي عطيفة، محمد الحبروك، محمد عبد الحميد، فايز كركوتلي، نبيل غزاوي، عبد اللطيف الأشمر الذي كان سكرتيراً للتحرير وهو أول من (زرّق) لي زاوية في صفحة المجتمع كان اسمها (مخاريز) وكنت أوقعها باسم (مخراز) وكانت عبارة عن قصائد شعبية ساخرة تنتقد بعض الأوضاع الاجتماعية في البلد. وهذه الزاوية هي التي شدت انتباه سليمان الفهد إلى ذلك الولد البدوي القادم من صحراء العطش ومداين الصفيح والخشب، إذ أذكر أن العبد لله – هكذا كنا نسميه لشغفنا فيما يكتب في زاويته (سوالف)-، أذكر أنه جاء إلى الجريدة في إحدى ليالي الشتاء وكان يرتدي معطفاً طويلاً يذكّرني بغوغول في روايته الخالدة (المعطف)، وصهل بسعلته العتيرة وشاربيه اللّذَين ينسدلان على حنكيه قبل أن يدخل إلى مكتب الزميل محمد زين: أنا جاي أتعرف على مخراز ووينه هالمخراز؟! حقيقة لقد قفز قلبي من الفرح – ولكن عنفوان الشباب أبى أن أكون (مندلقاً) (هكذا سبهللا) – هذه من عباراته- وأرتمي بأحضان أستاذي الذي شغفت بكتاباته قبل أن أراه. لذلك قلت: (أركد يا ولد خلك ثقيل. اللي يبيك يجيك هكذا علمتنا (القبيلة!!) وبالطبع اختفى صوت أبي نواف في مكتب محمد زين و(التمّ) حوله بعض الزملاء الذين كانوا يحبونه كثيراً ولم يطل بي الانتظار إلا وأم الخير (جلو دلال)، هكذا اسمها المختصر لـ (جل الخالق دلال أفيوني) – تصرقع – بشتائمها العتيدة كالعادة وهي تشخط بالمحرريين بلا رحمة (وينو هالزفت البدوي؟!) وبالطبع هذه من أقل شتائمها وطأة – وبالمناسبة فإن أم الخير الله يذكرها بالخير – كانت ولا زالت – شخصية مُهابة – في العمل.

Ad

ونكمل في ما بعد.