«الكويتيون أهل بحر»… هذه مقولة يعرفها الجميع ويرددها، مفادها أن الكويتيين تربطهم علاقة قوية بالبحر منذ القدم قبل اكتشاف النفط، ولم يكن غريباً من خلال هذه العلاقة القوية بين الكويتيين والبحر أن تكون الاسماك هي الغذاء الأول والأهم على مائدة الشعب الكويتي.

Ad

لكن الإحصاءات والبيانات تؤكد تراجع الانتاج المحلي من الاسماك خلال السنوات العشر الماضية بسبب الإجهاد البيئي، وتعرض المخزونات السمكية للصيد الجائر في المياه الاقليمية، فكان من الضروري البحث عن وسائل وطرق لزيادة انتاج الاسماك، وإحدى هذه الوسائل هي تقنية الاستزراع السمكي. وأدى الصيد الجائر وغير القانوني والتلوث، إلى انخفاض كبير في إنتاج بعض أنواع الأسماك البحرية، مما أثر سلباً على تحقيق التنمية المستدامة للثروة السمكية، وكان لزاماً البحث عن تقنيات جديدة لتلبية الطلب المتنامي على الأسماك.

أكد نائب مدير عام الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية لشؤون الثروة السمكية د. حيدر مراد أهمية تقنية استزراع الأسماك في تلبية الطلب على الأسماك، وقال «إنتاج المزارع السمكية في الكويت بلغ 327 طناً، ومزارع البلطي موجودة في 56 مزرعة، وتقوم الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية بإنشاء مفرخ جديد في الوفرة، وفي الوقت نفسه تقدم دعماً لمزارع الاسماك في صورة أعلاف، وتقوم شركة بوبيان للاسماك باستزراع السبيطي الاوروبي في الاقفاص العائمة في جون الكويت، ويتم استيراد زريعة السبيطي الاوروبي من اليونان وفرنسا».

وأضاف أن «هيئة الزراعة تعمل على تطوير تقنيات الاستزراع السمكي وتربية الاحياء المائية، من خلال تشغيل المفرخ الوطني بالوفرة في المهام البحثية والمشاريع المشتركة، وتدريب الباحثين على اجراء الابحاث عن طرق تفقيس الاسماك والروبيان والتغذية والتحضين والتربية، والعمل على تخصيص اراض لاقامة مشاريع للاستزراع السمكي وتربية الروبيان ودعم الجهود المبذولة للانتهاء من موضوع منطقة الصبية لانشاء مشاريع تربية الروبيان».

حظر الصيد

وعن الوضع الحالي للثروة السمكية في الكويت يقول د. مراد إن «مساحة المياه الاقليمية في الكويت تبلغ نحو 8700 كيلومتر مربع، ويعيش في المياه الكويتية 345 نوعا من الاسماك تتبع 94 عائلة، ويبلغ عدد الانواع السمكية المهمة تجاريا في الكويت نحو 44 نوعا، وتتم عمليات صيد الاسماك على مدار السنة من دون انقطاع، عدا انواع الروبيان والزبيدي والميد، إذ يحظر صيد هذه الاسماك خلال موسم التكاثر، وتقوم الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية بادارة مصائد الاسماك في الكويت».

واضاف أن «الثروة السمكية تعتبر المورد الطبيعي الثاني بعد النفط، وتشكل الاسماك غذاء مهما في طعام الشعب الكويتي، يغطي الانتاج المحلي من الاسماك والموارد السمكية نحو %42 من الاستهلاك السنوي للاسماك، ويتوقع ان يزيد معدل استيراد الاسماك في السنوات المقبلة نتيجة زيادة الطلب مع تراجع الانتاج المحلي، الذي يعود الى ظروف الاجهاد البيئي، إضافة الى تعرض المخزونات السمكية للصيد الجائر في المياه الاقليمية، فكان من الضروري البحث عن وسائل لزيادة انتاج الاسماك مع تطبيق اجراءات حماية مناسبة للموارد البحرية الحية في الكويت، ويمكن زيادة الانتاج السمكي من خلال اتباع استراتيجيات مناسبة لادارة الموارد السمكية، مع الالتزام بالقرارات واللوائح وتفعيل سياسات التنمية المستدامة للموارد السمكية بالتعاون مع كل الجهات المهتمة بقطاع الانتاج في الكويت».

مصلحة المستهلك

لكن ما أهمية تقنية استزراع الاسماك وأين تصب فائدتها؟ يجيب الباحث الرئيسي في مفقس الأسماك البحرية في دائرة الزراعة البحرية والثروة السمكية التابعة لمعهد الكويت للأبحاث العلمية د. خالد العبدالإله «أهميتها في الأساس أنها لمصلحة المستهلك، وتؤدي إلى نزول الأسعار، وعلى سبيل المثال لا الحصر إذا كان سعر كيلو الزبيدي 8 دنانير، فقد يصل إلى اقل من نصف هذا السعر في الأسماك المستزرعة، كما أنها فرصة للاستثمار وتزويد السوق بأسماك طازجة. وجاءت هذه التقنية لتسد ثغرة لتلبية الطلب المتنامي من الأسماك من قبل المستهلكين، لأن الكميات المتوافرة من الأسماك، من الأنهار والبحار على السواء، بدأت في التراجع بسبب عمليات الصيد، ونسبة الصيد الحالية اقل بكثير مما كانت عليه منذ عشر سنوات».

ويؤكد العبد الإله «صعوبة تقنية استزراع الأسماك، خصوصا زراعة الأسماك البحرية، لأنها لا تأكل إلا الغذاء الحي وهي يرقة، كما أن أسر الأمهات وإبقاءها في حالة صحية جيدة عملية صعبة، وعملية وضع أمهات الأسماك في الأحواض وتوفير البيئة القريبة لحاجتها كي تبيض تلقائيا تتطلب خبرة ومعلومات أساسية عن الأسماك المراد تربيتها. وإن تراجعت هذه الصعوبات بسبب التطور والتقدم العلميين».

وعن التغذية التي تتغذى عليها يرقات الأسماك البحرية المستزرعة، يقول الباحث «طور اليابانيون طرق توفير غذاء حي تتغذى عليه يرقات الأسماك عبر الدولابيات، وهي عبارة عن بلانكتونات حيوانية يتم تغذيتها وإكثارها على بلانكتونات نباتية (طحالب أحادية الخلية) وخميرة الخبز. كما أن هذه الطحالب (الأحادية الخلية) تستزرع بكميات كبيرة خصوصاً للدولابيات كغذاء».

المرحلة الخطيرة

ويقول العبد الإله إن هناك «مرحلة خطيرة في عملية إنتاج صغار الأسماك المستزرعة وهي عملية الفطام، أما إذا وصلت صغار الأسماك إلى مرحلة الفطام وهي بحالة جيدة فنكون قد تجاوزنا مرحلة الخطر وأصبحت الأسماك الصغيرة المتحولة قادرة على التكيف والتغذية على أعلاف مركبة. وبعد الفطام نكون قد بدأنا المرحلة الأقل صعوبة وهي مرحلة تربيتها إلى الحجم التجاري».

وعن المدة التي يستغرقها إنتاج الأسماك المستزرعة حتى تصل الى المستهلك، أوضح انها «حسب الحجم المراد تسويقه ونوع السمكة، فمرحلة المفقس تأخذ من 70 إلى 80 يوما لسمكة السبيطي على سبيل المثال، ومن 50 إلى 60 يوما للهامور وكي تصل إلى حجم بين 2.5 - 3.5 سم. باختصار نحتاج إلى نحو سنتين كي نحصل على سمكة السبيطي بحجم الكيلو ومن ثم تباع في السوق. ولكن هذا الحجم تحدده عدة عوامل مثل العمالة المؤهلة والمدربة والعلف المستخدم (العليقة) وهل هي مضغوطة أم مطبوخة، فإن الثانية هي الأفضل لتغذية الأسماك، فضلا عن نظافة الأحواض ومعدل تدفق الماء وكثافة الأسماك في الأحواض».

التكلفة

ويقول العبد الإله إن «إنشاء مزرعة تسمين فقط لا تكلف كثيراً، بينما كلفة المفقس المطور ذي الطاقة الإنتاجية العالية يكلف أكثر من مليون دينار، ويعتمد الحجم الذي يصل إليه السمك المستزرع على نوع السمكة، فالميد لو عاشت 4 سنوات في الحوض فلن يتعدى وزنها 200 غرام بينما الهامور ممكن أن يصل إلى 1.5 متر، وتصل أوزان أسماك التونة المستزرعة في اليابان وأوربا واستراليا إلى 300 كيلو».

وزاد ان دائرة الزراعة البحرية والثروة السمكية في المعهد قامت أواخر الستينيات من القرن الماضي بعملية «غربلة لاختيار أفضل الأسماك لعمليات الاستزراع، وقمنا وقتها بزراعة أسماك الصافي والشعوم والهامور والسبيطي والنويبي، ومن خلال التجارب انتخبنا من هذه الأسماك الهامور والسبيطي والشعوم اعتماداً على نتائج التجارب، ثم اختيار السبيطي، وبدأنا نعمل على تطوير تقنيته ومن بعده الهامور، ويمكن القول إن السبيطي هي السمكة التي أوليناها الاهتمام الأكبر».

رخيصة الثمن

أسامة عبد الحميد صاحب بسطة في سوق السمك أكد أن الاسماك المستزرعة «تلبي الى حد ما الطلب المتنامي على الاسماك، خصوصا في أوقات ارتفاع أسعار الاسماك أو لسعرها المعتدل، غير أن الاسماك الطبيعية تبقى هي المفضلة لدى الشريحة الأكبر لمذاقها الطبيعي».

ويقول هاشم عباس إن هناك «بعض الانواع المطلوبة من الجماهير لرخص سعرها، كالبلطي النيلي المصري الذي يقبل عليه المصريون لحبهم للأسماك النيلية العذبة، بينما لا يقبل الكويتيون على الأسماك المستزرعة، ويفضلون أسماك الهامور والبالول والزبيدي التي لا تتوافر منها أسماك مستزرعة».

تاريخ الاستزراع السمكي

يرجع الاستزراع السمكي إلى نحو ألفي عام، ولابد من التفريق بين نوعين من الاستزراع السمكي وهما، استزراع الأسماك النهرية (العذبة) وهذا النشاط موجود منذ ما يقارب الألفي عام، وقد وجد عند قدماء المصريين (الفراعنة) كما وجد عند الصينيين القدماء ولدى شعوب شرق أوروبا قديما، وهناك آثار قديمة تدل على أنها حرفة قديمة جدا، وهي مشابهة لحرفة تدجين الحيوانات والطيور البرية، كما في تربية المواشي والدواجن وغيرها، أما بالنسبة للنوع الثاني من الاستزراع فهو استزراع الأسماك البحرية، وهي تقنية حديثة نسبيا وقد بدأت منذ نحو قرن من الزمان.

الدول المتقدمة في هذه التقنية

تأتي دول جنوب شرق آسيا وتحديدا اليابان في مقدمة الدول الأكثر تطورا في تقنية استزراع الأسماك البحرية، ويرجع إلى كون هذه الدول ذات كثافات سكانية عالية وتعتمد على الأسماك كغذاء رئيسي، وتأتي أوروبا في المرتبة الثانية.

الفرق في الطعم

هناك اختلاف طفيف في مذاق وطعم الأسماك المستزرعة عن تلك الطبيعية، وما يحدد الطعم والمذاق هو نوع الغذاء من العليقة والعلف اللذين تتغذى عليهما الأسماك. فإذا استخدمت الأعلاف الطبيعية الجيدة فسوف ترجح كفة الأسماك المستزرعة، وخصوصاً أنها تحتوي على نسب عالية من الدهون الصحية.

مراحل الاستزراع

يمر مشروع استزراع الأسماك بعدة مراحل أولها المفقس (60 يوما) وبعدها الحضانة (60-90 يوما) ثم التسمين (10-20 شهراً) ويحدد مدة التسمين حجم الأسماك المراد تسويقها.

استزراع الزبيدي

دولة الكويت أول من استزرع سمكة الزبيدي في الاحواض في العالم، وحتى اليابان فشلت في زراعته، والسبب هو أن الزبيدي سمكة صعبة في صيدها ومناولتها، كما أنها سمكة حساسة جداً.