اللقاء مع الفنان أسامة الرحباني (الابن الأصغر للفنان منصور الرحباني) ذو نكهة خاصة. يتحدّر من عائلة فنية عريقة وتتراوح ميوله بين احتراف لعبة كرة القدم والاخراج السينمائي، إلا انه اختار الموسيقى التي درسها في الولايات المتحدة الأميركية، تحديداً في معهد الموسيقى في بوسطن، ماساشوستس. إثر عودته الى لبنان انخرط في العمل الفني من جديد مع شقيقيه مروان وغدي وشارك في مسرحيات «صيف 840» و «حلم ليلة شرق» و «آخر ايام سقراط» و»المتنبي» و»ملوك الطوائف» و»حكم الرعيان» وأصدر أسطوانة «النظام الجديد». أطلق أغنية «صباح الالف الثالث» التي غنتها الفنانة اللبنانية كارول سماحة وصوّرها فلاقت حماسة كبيرة من الجمهور. اما نقطة الانطلاق بالنسبة إليه فكانت مسرحية «وقام في اليوم الثالث» ومن اعماله «آخر يوم» عام 2004 و»جبران والنبي». يستعد اليوم مع عائلته لتقديم مسرحية «زنوبيا ملكة تدمر» في «مهرجانات بيبلوس».
يحاول أسامة الذي يعيش في منزل عائلته في انطلياس(شمال بيروت) ان يتميز عن عائلته من دون الانقطاع عن ينابيعها. يسعى في مسرحياته إلى إبراز ما «لا» يفكر فيه المشاهد. يحاول تبيان الأمور على حقيقتها، بعيداً عن العواطف. لا يطمح الى مواكبة الموضة في اعماله بل إلى التعبير عن جوهر حدث ما. سألناه هل ستقدم عملاً فنيا غنائياً في ظل الانقسام السياسي الحاصل في لبنان؟ أجاب: «عندما قدمت اعمالي الغنائية الاجتماعية السابقة لم تكن مرتبطة بالوضع السياسي القائم. انا لا احب السوق، لكن بعض الأعمال تتقاطع مع الوضع السائد. اقدم أحياناً اعمالا وأشعر بأن الوضع هكذا، لا يتغير. عندما اطلقت اغنية «لازم غير النظام» كانت الأكثر انعكاساً لحالة عشناها ونعيشها. إنها اشبه بفيلم ذاتي عن انسان يمكن ان ينتحر في ظل الوضع السائد؟ يحاول ان يكون عكس محيطه. ثم أصدرت اسطوانة «النظام الجديد» التي تضمنت اغنية عن الثائر الارجنتيني تشي غيفارا. اذكر انني اطلقت الأغنية عام 1996 قبل اكتشاف رفات غيفارا في بوليفيا في تموز 1997. لاحقاً اتجهت الى العمل في المسرح المتعب جدا، سواء لناحية التأليف الموسيقي او الاوركسترا وحتى العمل في ذاته إنتاجاً. شاركت والدي منصور الرحباني في مسرحياته وقدمت ثلاث مسرحيات من اعمالي.جزء من الفنونالغناء والتطريب مصطلحان يحملان معاني مختلفة لدى أسامة: ينزعج المغني العربي إن قلت انه مغنّ يشعر بالإهانة. الغناء فعل اساسي، وفي ترجمة فعل الغناء لا شيء يدعى تطريب. التطريب احساس معين يصل اليه الفنان ويأخذ منك الآه لكن ليس بالضرورة من خلال اغنية. قد ينظر المرء الى صورة لفان غوغ ويقول يا الله ما هذ اللوحة الرائعة! ما هذه الايقونة الجميلة! من قال انه لو سمع المرء موسيقى لشوبان لا يقول آه؟ ثمة تحديد خاطئ وسيىء للفن يساهم فيه كل المسؤولين عن الصفحات الثقافية والنقاد والمجلات والاذاعات». «يركز النقد، ويا للأسف، على الأغاني لا على الموسيقى، مع ان هذه الأخيرة لا تشكل سوى خمسة في المئة من التراث العالمي. الهمّ كله لدى وسائل الاعلام المرئية والمسموعة ان تملأ الهواء بالحديث عن الأغاني. معظم المسرحيات التي تتضمن ثقلا في الموسيقى لم تصل الى جمهور كبير بسبب الاعلام. علماً ان الاغاني جزء ضئيل في الفنون. طائفيةينفي أسامة الرحباني ما يتردد عن اختياره الممثلين في مسرحياته على أساس التوازنات الطائفية السائدة في لبنان: «لقد نشأت وسط أسرة لا تهتم كثيراً بانتماء الاشخاص بل بمواهبهم وقدراتهم الفنية. تعنيني أولاً واخيراً قدرات الممثل وليس انتماؤه أو هويته الطائفية. هذا التفكير ليس من تقاليد آل الرحباني. في مسرحية «اخر يوم» اخترت الممثل فادي أبي سمرا لان الدور يليق به، لم اسأل عن انتمائه؟ بحثت كثيرا عن شبان لأعطيهم دور «روميو»(اسمه نديم بالمسرحية). وجدته مناسباً للممثل يوسف الخال. لم اسأل عن انتمائه فنصفه سني ونصفه الآخر بروتستانتي. أمّا في «زنوبيا» المسرحية التي ستعرض في «مهرجانات بيبلوس» في 14 من اب/اغسطس الجاري فإن اختياري لكارول سماحة (دور زنوبيا ملكة تدمر) كان لقوة صوتها وتلبيته التنوّع الموسيقي الأوبرالي في المسرحية. كذلك الأمر بالنسبة إلى غسان صليبا (دور زبداي قائد جيش زنوبيا) فصوته من الأهمّ في العالم العربي ومن منّا لا يقر بعبقرية الممثل العظيم أنطوان كرباج (دور أورليانوس إمبراطور الرومان). بطل مسرحية «جبران والنبي» الاساسي كان الفنان الجنوبي المسلم رفيق على احمد، هل هناك افضل منه؟ تعاملت عائلة الرحابنة أيضا مع غسان صليبا وملحم بركات فصوتاهما من الأجمل في تاريخ الموسيقى العربي، يقدمان على المسرح «درامتيك» و«ليريك» ويملكان قدرة عالية في الغناء. بالنسبة إلى الرقص اخترت الراقصين من مدرسة محددة ففي لبنان ورغم كل الانفتاح الذي ينعم به ما زال شعبه يرفض تعليم أبنائه رقص الباليه مثلا، خاصة الذكور منهم، على اعتبار ان هذا النوع من الرقص يفقد الشاب رجولته! «المسرح اللبناني غني بالممثلين الذين يبرعون على خشبته في أداء أصعب الأدوار وأجملها». عبارة نسمعها من معظم المخرجين اللبنانيين، لكن أسامة يضيف إليها مشكلة ندرة الممثلين الذين يجمعون الغناء والتمثيل والرقص في آن: «إدارة الكونسرفتوار مثلا (المعهد العالي للموسيقى) لا تعلّم التمثيل لكونه معهداً متخصصاً في الغناء والعزف فحسب، في حين ان تعليم بضع ساعات من فنون الدراما للطلاب تمنحهم القوة وعمق التفكير حتى في الغناء وفي معهد الفنون الجميلة المشكلة ذاتها أيضا إذ لا تهتم ادارة المعهد بالغناء ولا يدرس الممثلون الإيقاع علماً أنه المحرك الأساسي للممثل بمجرد أن تطأ قدمه خشبة المسرح».شخصيات«جبران والنبي»، «ملوك الطوائف»، « ابو الطيب المتنبي»، «زنوبيا» وغيرها من عناوين مسرحيات كثيرة انتقتها عائلة الرحابنة بتأن. ينفي أسامة ان يكون اختيار هذه العناوين التي تسبق الأسماء كافة إلى الأذن والعقل هي بمثابة إعلان لها: «يجب النظر الى مضمون المسرحية ولا الى اسمها. اخترت «روميو وجوليت» في مسرحية «آخر يوم» التي تحكي عن الصراع في بيروت المنقسمة بين «شرقية» و»غربية»، بين الاسلام والمسيحية، بين ناديي «الحكمة» و«الرياضي». ففي احدى المباريات كان هناك اكثر من خمسة الاف جندي يراقبون الوضع تحسبا لأعمال شغب بين جمهوري الناديين. في مسرحية «جبران والنبي» أكشف أموراً لا يعرفها الجمهور عن شخصية الكاتب جبران خليل جبران وتفكيره وسلوكه وبخله وعلاقته بماري هاسكل. إنه في المسرحية الانسان لا الرمز والمثال. «سقراط» شخصية فلسفية ومع ذلك استطاع منصور الرحباني جعلها تحظى باهتمام الجمهور. الأمر نفسه في مسرحية «أبو الطيب المتنبي» و«ملوك الطوائف» وحكم الرعيان» التي تظهر الواقع اللبناني وتبدل التحالفات. أظهر منصور الرحباني الواقع الراهن في لبنان قبل ان يحصل. من الكمالياتلبنان اليوم ليس لبنان الموسيقى والمسرح والمهرجانات بل هو لبنان لقمة العيش، لبنان السمفونية السياسية الطويلة التي يسمعها أبناؤه كل مساء، الساعة الثامنة، مهرجاناً كلامياً سهلاً. هذه حال لبنان وهكذا يراه أسامة: «في الوضع الراهن في لبنان لا نستطيع شيئاً. بات الفن من الكماليات ومن اكثر الأمور التي تتأثر بالانقسامات السياسية والطائفية فيما تبقى الميادين الأخرى على حالها وربما تتطور. ماذا تفعل الانقسامات في لبنان؟ تقتل أولاً الاستقرار، المحور الاساسي لأي عمل فني. أي مخرج او منتج يحتاج إلى ارضية ثابتة ليعرف كيف يعمل. كل التصريحات والانفجارات والاخبار تُشعر المرء بـ «القرف» من العمل. عدم التوافق يضع لبنان في مشكلة كبيرة. في الوقت نفسه يتعلق اللبناني بوطنه ربما بسبب التباين في شخصيته غير المختلفة عن طابع هذا البلد الكثير التناقضات السياسية والدينية والفنية والمناخية... كلما فكر اللبناني بالهجرة مَنْفذاً سرعان ما يقول «حلو التناقض والتنوع» في هذه البلد. ثمة صراع فكري في لبنان ليس موجوداً في العالم العربي الذي تغلب عليه الانظمة التوتاليتارية».الأخوان رحباني (منصور وعاصي) لم يعرفا الراحة في حياتهما. أيامها كلها كانت كتابة. فالمسرحي كأنه يتعامل مع الغيب، لا يعرف الراحة. يذهب موظف المصرف مثلا الى عمله ويعود مرتاح البال، لا هم لديه في ابتكار شيء. فعل الابتكار تلزمه الراحة والانفتاح على ثقافات مغايرة».نسأل أسامة ما الذي يميزك عن الرحابنة؟ يجيب: «لكل انسان شخصيته لكننا جميعاً من نبع واحد. لدي هوية خاصة في طريقة التأليف الموسيقي والاوركسترا والتلحين. أملك افكاراً مختلفة ورؤية جديدة للمسرح الغنائي. يختلف التصور لديّ في كل شي، في طريقة الرقص وفي الديكور والاضاءة. من يتابع اعمالي يعرف بصمتي».
توابل - ثقافات
عشيّة تقديم العمل الغنائي الجديد زنوبيا ملكة تدمر في مهرجانات بيبلوس أسامة الرحباني:الفن في لبنان أضحى من الكماليات
08-08-2007