تمر الأيام على البلاد التي تعيش زمن الوفرة المالية المتنامية، ونتجاوز سنة مالية تلو الأخرى منذ أن بدأت مرحلة الفوائض على الخزينة العامة في السنة المالية 1999/2000، من دون أن نلحظ فوارق في حال البلد على صعيد تحديثها وتطوير مرافقها، فيما تتوالى الوعود بالمشاريع التنموية ونقل البلد من حقبة الجمود التنموي، التي مرت بها في الثمانينيات بسبب تدهور أسعار النفط وإعلان حالة التقشف، وسنوات التسعينيات التي شُغلنا فيها بإصلاح ما دمره الغزو الصدامي الآثم، وها نحن نقترب من نهاية السنة المالية الثامنة من سنوات الفائض ولا نرى جديدا في بلادنا، سوى العمارات الشاهقة ومجمعات الأسواق (المولات) للقطاع الخاص في وسط العاصمة وضواحيها، ونتساءل مع غيرنا: هل مرافقنا وخدماتنا المتهالكه قادرة على استيعاب ما يحدث من مد عمراني وتكاثر سكاني؟
سؤال دائمهذا السؤال بات يشغل الجميع بعد أن توالت أزمات الكهرباء والماء والاختناقات المرورية وتهالك المرافق الصحية ونقص التجهيزات في المؤسسات التعليمية وتعرقل المشاريع الإسكانية الجديدة، وهي جميعها ازمات ومشاكل تتطلب روح عمل مختلفة وعلاجا سريعا ومبتكرا في ظل توافر الإمكانات المالية الهائلة التي تستطيع أن توفر كل متطلبات الحلول السريعة، لكن ما يحدث على أرض الواقع مختلف تماما، فمجلس الوزراء الذي يتحدث منذ بداية مرحلة الفوائض عن الاستغلال الأمثل لها في تجديد البنية التحتية والمشاريع الجديدة للمرافق الأساسية، مازال يستعرض تقريبا مشروعا جديدا في قطاع من القطاعات في كل اجتمع أسبوعي له، ويوصي بالتنفيذ أو الإحالة على إحدى لجانه التي تعيده مرة أخرى إلى المجلس ليقره ويرسله إلى الجهة المختصة لتنفيذه.وهنا يعتقد الجميع أن المشروع بعد إقراره من مجلس الوزراء قد تحول إلى أرض موقع المشروع، ليصبح ورشة عمل لإنجازه خلال سنوات قليلة تتناسب مع ما يحدث في بلاد العالم وفي محيطنا من دول شقيقة وصديقة، إذا قارنا ما يحدث في دبي والدوحة وجدة من إطلاق المشاريع العملاقة التي شارف بعضها على الإنجاز، وعلى سبيل المثال فإن حكومة قطر الشقيقة وقعت منذ أيام المرحلة الأخيرة من مطار الدوحة العملاق بتوقيع عقد قطار المطار الذي سيكون نقلة تكنولوجية في هندسة هذا المطار الحديث، لكن عندنا في الكويت فالحقيقه غير ذلك، ولنا أن نطّلع على الموقع الرسمي لوزارة الأشغال العامة وتصريحات مسؤوليها لنتعرف على المشاريع الضخمة التي تنفذها وتتناسب مع سنوات الوفرة الثماني الماضية، لكن فعليا لن تجد اي مشاريع رئيسية سوى بعض المشاريع القديمة مثل إنشاء استاد جابر الأحمد الدولي ومبنى وزارة الداخلية الجديد وتكملة بعض المرافق في قصر بيان ونفق شارع الخطابي وبعض المدارس والمستوصفات، وهي جميعها مشاريع قديمة من المفترض أن تكون سلمت منذ عدة شهور، بالإضافه إلى بعض المشاريع الصغيرة للصيانة والصرف الصحي.عمق المشكلةولكي نتعرف على عمق المشكلة والخلل القائم، علينا أن نتتبع مصير بعض المشاريع الرئيسية التي يعلن عنها منذ سنوات طويلة، فمثلا مشروع مستشفى جابر الأحمد (جنوب السرة) الذي وضع سمو أمير البلاد حجر أساسه في فبراير الماضي، كان على أجندة مجلس الوزراء منذ عام 2004، والمفارقه أن المناقصة الخاصة بالمشروع الذي وضع حجر أساسه فعليا ستتم ترسيتها في نهاية العام الجاري ليتم بعد ذلك التنفيذ في وقت لاحق من العام المقبل، ليظل المشروع لأكثر من عام ونصف العام مجرد حفرة مسيّجة، وفي نفس السياق فإن مشروع الدائري الثامن المطروح على مجلس الوزراء في نفس الفترة - بحسب رد الوزارة على سؤال برلماني - سيباشر تنفيذه في أغسطس 2010 لينتهي في عام 2013، وإذا تابعنا فإننا سنجد عشرات المشاريع المطروحه منذ سنوات مازالت على الورق بين مكاتب الاستشاريين وبيروقراطية الجهات الحكومية المختلفة، فجسر الصبية مازال منذ نهاية التسعينيات تحدد له تواريخ التنفيذ وتمدد ومازال يراوح في مكانه، ومشروع مترو الكويت الذي انجزت شركة إسبانية متخصصة دراسته في مارس الماضي، يراوح في مكانه في اللجان العليا ووزارة المواصلات من دون أن يستطيع الوصول إلى جدول أعمال مجلس الوزراء للبت فيه، برغم التحذيرات المتكررة من المتخصصين بأن كل يوم تأخير في البت في هذا المشروع سيكون له تكاليف مالية وبيئية وتنظيمية واقتصادية مضاعفة، كذلك مشروع ميناء بوبيان منذ بداية طرحه في عام 2002، مازال في مراحله الأولى المتمثلة بتمهيد موقع المشروع والخدمات الأساسية له... وحتى لو أخذنا مثلا آخر لمبنى عادي لجهاز صغير الحجم، فإننا سنتعرف أكثر على حجم ضعف وتواضع إمكانات الجهاز المعني بدراسة وإنجاز مشاريع كبيرة وضخمة في المرحلة المقبلة، فمثلا مبنى بنك التسليف والادخار الصغير والبالغة مساحته 6821 مترا مربعا فقط، الذي بدأت مراحل إنجازه في أبريل الماضي، سيتم طرحه في نهاية العام المقبل ليبدأ تنفيذه في منتصف العام الذي يليه ويسلم في نهاية عام2011! ...أي أن مبنى بهذا الحجم سيستغرق إنجازه اربع سنوات، وهي المدة الكافية في أي دولة متوسطة الإمكانات لإنجاز ميناء رئيسي أو عدة مستشفيات متوسطة الحجم. تسويق الأوهاموبينما يتابع المختص والمهتم أحوال الحكومة وأجهزتها المعنية بالاستثمار والاستغلال الأمثل للفوائض المتراكمة ويتابع خططها وبرامجها، يتساءل مجددا هل يمكن أن تقوم بما تعد به في ظل واقعها الحالي والتجارب التي مرت بها في السنوات الأخيره؟.. فإن الواقع والتجارب يؤكدان أنها لا يمكنها أن تنفذ ما تعد به من دون أن تكون هناك ثورة إدارية تقوم بها حكومة وقياديون قادرون على تنفيذ ما سينتج عنها من أسلوب جديد لإدارة شؤون الدولة في هذه المرحلة المهمة تلائم ما يتطلع إليه البلد من إنجاز وعمل يحقق أمنيات تحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري حديث بمرافقه وخدماته، ومن دون ذلك فإن الحديث عن المشاريع التنموية ومدينة الحرير وحزمة المستشفيات والمدن الإسكانية الجديدة المتكاملة، هو تسويق لوهم أو لمشاريع لن تنفذ إلا بعد عقود، بعد أن تفقد الحاجة إليها ويستجد الأحدث والأكثر تطورا، لنعود مجددا إلى دورة المطالبة بالتجديد والتطوير لتتلاءم مع ما استجد على العالم من اختراعات وتقنيات جديدة!
محليات
تقرير إخباري مشاريع الدولة تختنق... وأجهزة الحكومة عاجزة عن تنفيذها بكفاءة وتوقيت مناسبين مستشفى جابر مازال حفرة مسيّجة... وجسر الصبية ومترو الكويت مشروعان ورقيان
17-10-2007