تأليف: بشير مفتي

عن الدار العربية للعلوم

Ad

لا يعلم القارئ العاديّ عن بشير مفتي غير أنه «روائي من الجزائر» بحسب ما ورد على صفحة الغلاف الرابعة. ولم تتسنَّ له قراءة تمهيد أو مقدمة تضعه في إطار الرواية وظروفها أو تقوّم عمله الحالي بالنسبة إلى أعماله السابقة سوى كلمة موجزة كتبها هزرشي عبد الباقي معتبراً هذا العمل الروائي «انعطافة نوعية في المسار الإبداعي الشخصي للروائي».

وكلُّ عمل أدبيّ، بغضِّ النظر عن قيمته، يخلو من نبذةٍ عن المؤلف ومن تمهيدٍ أو مقدمة ومن فهرس محتويات، يكون مؤلفه أو ناشره أهمل بعض البديهيات الضرورية في عالم الكتاب المعاصر.

لكنّ هذه الهفوات أو النواقص لا تقلل من قيمة العمل الروائي الذي نحن بصدده. فالرواية عالم قائم بذاته ولن يؤثر شكل إصدارها على مضمون فحواها مبنىً ومعنى.

كائن معشوق

بعد استهلالٍ وجدانيّ حول الموت والحياة والذاكرة والحلم، وبعد جلسة في حافة «الأقواس» تهالكت فيها روحه لكنّ الجسد لم يتحطّم، عرّفنا الروائيّ بحبيبته الساحرة «ميعاد»، الفتاة الملائكية القلب ذات الروح الثائرة المختبئة في جسدٍ غاوٍ ومثير.

في حانة الأقواس تذكّر كلّ شيء، متى بدأت الحكاية وأين انتهت. في ذلك الجوّ المشحون بالدخان المتراكم كالضباب شعر بانقباض جعل الشحوب يعلو وجهه والذبول يُغضن قلبه. سمع أزيز الرصاص خلفه فلم ينظر الى الوراء. لم يسأل من قُتل، طلب شراباً آخر ودفن رأسه في جبّة اليأس.

غاب في أعماق ذاكرته. عاد الى مقاعد الجامعة يوم كان مع رفاقه يثرثر عن الثورة التي لن تأتي والإنسان الذي لم يخرج بعد والأحلام المجزأة والمخنوقة وتعاسة الحياة في سجن اللاحقيقة. وتذكّر الكتاب الذي وجده في مكتبة والده. الكتاب الذي قرأه قبل أوانه فلعنه والدّه حفار القبور وحارسها.

هرب

كان في الثامنة عشرة عندما هرب من البيت وقادته رجلاه الى منزل جدته حليمة في المنصورة، ففرحت به ودخل عالماً جديداً بفضل كتاب مسحور قرأه بالمصادفة. وفي بيت جدته التي تزوجت مرتين مكتبة عامرة بكتبٍ غرف منها الكثير، لكن عقله ظلّ حبيس الغيبيات التي لم يفقه معناها في كتاب أبيه. وبعد عام من الفراق استدعاه أبوه وهو على فراش الموت ليذكِّره بالأمانة. بالكتاب الذي استغرق وقتاً طويلاً في محاولة فك أسراره وشرح طلاسمه فاكتشف أن لا شيء أكبر منه. وصار يذهب الى المقبرة يتأمل السكون المجرم ويخلد الى ذلك الفراغ الكبير الذي يؤثثه الموتى بصمتهم.

في ذلك الوقت أصبح مع خالد رضوان صديقين يلتقيان باستمرار، يتحادثان باستمرار لكنهما يعبران طريقين مختلفين. يسير هو باحثاً عن الحقيقة، أما خالد فاتخذ الثورة هدفاً لحياته.

ميعاد تبحث عن زوجها

دخلت ميعاد الى مكتبه بوجه غمرته غلالة حزن سوداء. أخبرته أن زوجها «الطاهر سمين» الذي يعمل في الصحافة وفي مجال حقوق الإنسان لم يعد الى بيته منذ أيام فوعدها بالعثور عليه. تعددت لقاءاته بميعاد وبدأ شعوره نحوها يتحول الى علاقة وجدانية من جانب واحد ما لبثت أن تطورت فتهدم الحاجز وتكشَفَ الحجاب. مرّ عامان على علاقتهما بعد وصول خبر وفاة الزوج من دون أن يعلما كيف قُتل وأين. وتبيّن لاحقاً أن اختفاءه لم يكن سوى ذريعة اتخذها ليبعد عنه الشبهات فهو إرهابي يخطط لعمليات كبرى ويلاحقه البوليس للقبض عليه.

إغتيال

لم يكن يتصوّر أن زوج ميعاد إرهابي، بل كان يظنّ أنه صحافيّ ومناضل في حقوق الإنسان. هذا ما أخبر به صديقه المفتش الذي كان يراقبه منذ زمن. طلب المفتش منه التعاون والابتعاد عن ميعاد فغادر العاصمة متوجهاً الى قريته «المعزوزية» التي فتك الإرهاب بقسمِ من أبنائها وأحرق مدرستها ومقابرها.

هناك بقي حبيس غرفته مع الكتاب الغريب الذي تركه له والده. تلك «الأمانة» التي سكنت عقله وجسده وأعادت روح جده وصورة والده كأنهما لم يغادرا القرية أبداً. وقرّر أن يعيد بناء القبّة التي دمّرها أولئك الإرهابيون لترجع الثقة الى نفوس أبناء بلدته. وفي الليلة ذاتها التي أقيمت القبة فيها أقدم الإرهابيون على حرقها ثانيةً. نظر الى القبة كأن روحه تحترق معها. ثم رفع الكتاب الى السماء وألقى به في النار المشتعلة لتأكله ورقة تلو أخرى. وعاد الى العاصمة بعد غياب شهر، وقرّر أن يمرّ بصديقه المفتش قبل لقائه بميعاد، وإذا بالمفتش يستغرب بقاءه حيّاً فيعلم فوراً أن زوجها «الطار سمين» دبّر اغتيالها.

استهلال رواية «بخور السراب» وخاتمتها تتوهان في رحاب وجدانية إبداعية تميّزها عن غيرها من الروايات. أما النص فيعالج بشير مفتي فيه جرح وطنه الجزائر المفجوع وما التصق به من الانكسارات والأتراح، ويبرز من خلال شخوصه أحوال الهمّ والقلق التي لا تستكين. روايةٌ عميقة الغور تنسحق فيها روح مؤلفها حتى الفناء.

تذوّق

أعرف أن القراءة هي كل شيء في حياتي، أنني قرأت أكثر من اللازم، أنني أمضيتُ وقتاً طويلاً مع الكتب وأن هذا الفعل كان مسلياً، معلماً، مثيراً، محفزاً، محبطاً، مخيفاً، أنه كان خطواتي الأولى للنزول الى قاع الجحيم، والصعود الى سقف العالم.

الحب يداهمك فجأةً، يعتصرك اعتصاراً، ينهض كمخالب مفترسة من حيث لا تعلم، يهجم ويخبش يقاتل بلا هوادة. نعم يقاتل وأنتَ لا تعلم من أين تقاومه؟ تدري أنه مستعصٍ لذيذ. تدري فقط لكنك لا تعرف سرّه، لا تفهمه وتظلّ تتساءل: كيف لي به؟ ومن أي جهة أدخله فاتحاً ومنتصراً؟ كيف اصطاده وقد اصطادني هو بكل بساطة؟ كيف أتحدّاه وقد تحدّاني هو بكل جبروت وتعال؟ كيف... كيف... لا تنفكّ تردّد مرّةً وأخرى غير مدرك أنك الآن فريسته السهلة!