يتبع ابراهيم الكوني في مجمل كتاباته خطا مغايرا لطرق الكتابة المهيمنة على الساحة الروائية العربية. ففي حين تحفل هذه الرواية بالشخصيات التي تتفاعل مع مصائرها في عالم ضيق غالبا ما يكون عالم المدينة، يصرّ الكوني على جعل شخصياته مفاهيم تصارع مفاهيم أخرى في حيز شاسع ودائم الامتداد والتوسع هو عالم الصحراء.

Ad

يتحالف هذا العالم مع البنية المفاهيمية التي يحرص الكاتب على ترك شخصياته تتحرك في داخلها لينتج عن هذا التفاعل نظام علاقات متداخل لا يمكن فيه فصل عملية البناء السردي عن حركة الأحداث وعن هدف الرواية.

الكلمة هي البطل الرئيس في رواية الكوني «الورم»، الصادرة حديثا عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وهي ليست الكلمة التي تتكاثر وتترتب في شكل عقلي ومنهجي محدد لتصير رواية، لكنها الكلمة الأصل صاعدة الى حدود المصير والخواتيم وهي من يصنع الحركة والتفاعل.

إنها قدر لاه ينسج ألعابه الساخرة ويوزع على الكائنات أدوارهم وأسماءهم وسيرهم. إذاً هناك مساواة مسبقة بين الناس والكائنات في داخل هذا المسار العابث لأن ما من كائن يقدر على صناعة مصيره، وكل ما يكونه ويصل إليه، مهما كان كبيرا ومهماً، فإنه يذوب أمام سطوة المصير.

يستعمل المصير الرغبات في رسم الطريقة التي سيتحقق بها، فلكل شخصية مفهوم، نهاية خاصة تتعلق بالأهواء والرغبات التي كانت تضطرم في أعماقها. تقول الرواية إن «ما تحب يصنع مصيرك وكلما كانت درجة هذا الحب كبيرة كلما زاد توحُّدك بموضوع حبك كي لا يعود لك من وجود خاص ومتمايز إلا من خلال هذه العلاقة. تعطي موضوع عشقك جلدك وروحك فيلبسك ويستحوذ عليك ويحوّلك إلى صورة مصير يدل بواسطتها على سلطته».

اللغة - السر

يريد الكوني أن تكون اللغة سراً ويشترط بقاءها كذلك كي تكون حياة الشخصيات وحركتها ممكنة. تحمل الشخصيات السر في ذاتها وتخضع له في كل ما تمارسه من سلوكيات فهي ليست إلا بعض فائض مزاجه، لذا فإن اللغة على امتداد الرواية هي عبارة عن صمت يتراكم . اللحظة التي يتم فيها الكلام هي اللحظة النهائية التي لا يمكن الكلام بعدها وهي لحظة الختام، لذا يرتبط النطق بالنهايات والصمت بالحياة.

لديه تكون اللغة سرا لأنها متعالية مفارقة وليست حديثا أو حوارا أو جدالا، فنحن نعلم أنه من الصعب تخيّل شخصيات واقعية ذات وجود إجتماعي تتحدث مع بعضها بمثل هذه اللغة الفائقة التكثيف التي ينسبها الروائي إلى شخصياته. فلا وجود لشخصيات تتعاطى دوما في الحدود القصوى من الترميز وتتبنى صناعة الأمثال وتعيش بوصفها بعض ظلال هذه الأمثال وتداعياتها.

قرر الكاتب خداعنا ليجعلنا نغرق في محاولة تصور النسق المرجعي للشخصيات والإطار الثقافي الذي تتحرك فيه والمصادر التي يمكن أن تستعمل لمحاولة تفكيك العناصر التي نسجت منها وإرجاعها إلى منطقه العام والمشترك والواضح والمألوف، سواء على مستوى التركيب أو على مستوى الحوار.

في «الورم» كلام تعود نسبته إلى الجماعة ولا يمكن حصره بزمن ما أو بمؤلف ما. إنه كلام مصعد متعال يصف شؤون الحياة وتفاصيلها، لكنه يأخذ دوما مسافة ما منها، فلا يمسها أو يتلوث بها ولا يمكن قياس هذه المسافة، بل من الممكن تحديد طبيعتها التي يكشف النص عنها وهي السخرية المريرة والدامية.

خلعة الزعيم الغائب في «الورم» هي ما يمثل سطوة لغة تصمت وتسخر ثم تفصح فتقتل. هذه الخلعة تتلبس بالجلد الى ان يستحيل نزعها منه ثم يرسل الزعيم من يستردها بعد أن تكون صارت من يلبسها. يعني استردادها تسليم الروح للزعيم، فإذا كانت رمزا لسلطة كبيرة تمنح لمن يحصل عليها فإن ثمنها هو النفس كلها. تغرق الخلعة ليس في الجسد بل في الرغبة وتمثلها وكلما كانت هذه الرغبة قوية كلما غاصت هبة الهلاك تلك فيه أكثر فأكثر.

لحظة الإفصاح هذه جاءت على لسان الساحر أي كائن السر، لذلك بقيت اللغة سرا ولم يتسرب منها إلا المصير الخاص به، من هنا تلبث الرواية أن تفصح عن موته الذي يلي لحظة نطقه بالمثل. إذاً، لم يكن المثل ملكا له بل كان هو أسيره وعبده، فما إن أعلن عنه حتى استهلك ذاته فدخل في الغياب مباشرة وبقيت اللغة صمتا ساخرا متعاليا.

حقيقة ووهم

العالم وأشياؤه ليس إلا وهما خالصا، فمن يحب هذا الوهم ويتبناه يصبح حقيقته والوصف المناسب لروحه. هكذا تتحرك رمزية الورم الذي شاء الكاتب أن يجعل منه الكتلة الدلالية المرجعية التي ينصبّ فيها جهد النص كله.

الورم إذاً هو العالم، لذا إن صيانة الذات يجب أن تكون من خلال صوغ العلاقة معه على أساس من التخلي والترفع والمفارقة وليس من خلال الحب والرغبة .

يظهر كل شيء في الرواية على أنه حامل للورم وممثل له، لكن لا أحد يريد أن يرى، لذلك فإن أساناي الذي نال الخلعة القاتلة لا يستطيع أن يرى فيها إلا ميزة تؤكد سموه وعلو مكانته. لم يشك للحظة في أن يكون مرسلها هو العالم بل آمن أنها هدية من خارج العالم تأتي من النور والرحمة، من ذلك الزعيم الذي لم يره أحد.

لم يخطر بباله التناقض بين الهبة الأرضية التي تمنح سلطة مستمدة من الزائل والعابر والمقيم في العالم وبين الطبيعة المتعالية والمفارقة للهبات النورانية، لأنه كائن الذات الراغبة المتورمة برغباتها والتي تسعى دوما إلى توسيع حدود الورم الى ان يصبح بحجم العالم واشيائه.

لم يستطع عبد الورم قراءة العلامة السوداء المختفية في إبهار الخلعة وسطوعها، فهي لم تأت إليه إلا بعدما صنف ككائن للعار بعدما باع قرينته في السوق لسداد ديونه. عندها صار في الحد الأقصى للحقارة في عرف الناس والمجتمع، عندها جاءته الخلعة التي ظن أنها انتقال من مقام الوضاعة إلى مقام الرفعة بينما هي تأكيد لمقام الخسة ودفع له إلى أقصى الحدود.

استخدم الكاتب لقب قرينة للزوجة، والقرين هي عبارة أقوى من صيغة الزوجة لأنها تدل على التوحد والنفاذ في الآخر، لذلك تكون عملية بيعها سلخاً للذات تترك من يقوم بها بلا جلد.

هكذا نعلم ان أساناي حصل على هبة الورم عندما صارها فلم تكن الخلعة من جنس مفارق لما آل إليه، لكنها تتطابق مع ما يشتهيه وما يختاره فلا يعقل أن يحصل كائن الوضاعة على هبة النور.