لم تعد عمليات التجميل في زمننا الراهن عيباً. يعترف بها الخاضعون لها مفاخرين. فالجمال في كل مكان، على شاشات التلفزيون واللوحات الإعلانية وحتى في الشارع. باتت في متناول الجميع، رجالاً ونساء، كباراً وصغاراً.
يزداد يوماً فآخر عدد الذين يجرون هذه العمليات، وبخاصة النساء اللواتي يحلمن بجمال فتان يخطف الألباب... والأنفاس! يشعرهن ذلك بالرضى أو بالمزيد من الثقة بالنفس أو يحظين باهتمام أكبر. والرجال مثل النساء، يحسدون هذا الممثل الجذاب أو ذاك المغني الساحر الذي تتهافت النساء لرؤيته. يتحول هذا الحسد أحياناً إلى رغبة ملحة في التشبه به أو حتى إلى هاجس يراود الناس ليل نهار. في هذا السباق، هل يمكننا القول إن عمليات التجميل تشعرنا بالسعادة وتحلق بنا فوق الغيوم؟تأثير المظهر الخارجي أثناء مقابلة عمل، في المدرسة، في الجامعة، أو في حياتنا المهنية، يؤثر مظهرنا الخارجي في المحيطين بنا. إن نظرات الناس، حتى نظرات الأهل إلى مولودهم الجديد، ليست حيادية تماماً. يمعنون النظر إليه لرؤية أي شائبة في مظهره يمكن أن تزعجهم أو تقلقهم. أثبتت الدراسات أنه حتى في المدرسة يتأثر الأساتذة، رغم حيادهم المفترض، بين 20 و40% بمظهر الطالب لدى تقويمه. لذا يُعتبر مظهر المرء جواز مروره إلى قلوب الآخرين. هذا التمييز يتجلى أيضاً في مقابلة العمل إذ يحاول أصحاب العمل أن يطبعوا في ذاكرتهم المظهر الخارجي لمن يجرون معه المقابلة، وبخاصة إذا كان جميلاً، ما يضاعف احتمالات فوزه بالوظيفة. بالنسبة إلى البعض، يُعتبر الشخص الجميل أكثر ذكاء وطموحاً ودفئاً من الآخرين. أثبتت دراسة أجريت في بريطانيا على 11000 عامل أن الموظفين الجميلي المظهر يتقاضون رواتب أعلى من الحد الأدنى، أما من لا يضاهونهم جمالاً فيتقاضون رواتب أقل بـ11 إلى 15%. إذاً، لا يقتصر الإعجاب على العلاقات العاطفية، بل هو شعور يبرز في مجالات الحياة كلها، وهذا ما تعتمد عليه سوق عمليات التجميل. هل من مظهر نموذجي معين؟بحسب الاختصاصيين، ما من مظهر معين يقتدى به لإجراء هذا النوع من العمليات الجراحية. لكل مريض مظهره الخاص، أو رغباته الخاصة في ما يتعلق بالتعديلات التي يود إجراءها عليه. تمثل هذه التعديلات الصورة المثالية التي يرسمها عن نفسه. على هذا الصعيد يبرز تياران، الأول يشمل النساء اللواتي يقصدن جراح التجميل حاملات صورة لممثلة أو مغنية يردن التشبه بها لناحية المظهر فيطلبن شد بعض الملامح أو جعل الشفتين مكتنزتين أو تصغير ملامح الوجه 20 إلى 30 سنة. يشمل هذا التغيير الوجه أو الجسم وتختفي الشخصية الخاصة بكل مريضة تحت مظهرها الجديد الذي يعتبر نموذجياً. أما التيار الثاني فيسعى شد الوجه الطبيعي. وبالنسبة إلى مناصريه، تخدم الجراحة التجميلية جمالاً معيناً نابعاً من تكاوين أو ملامح الوجه. تسعى هذه الفئة إلى تغيير شكل الأنف المقوس الذي يظهرهن شريرات، ما لا ينسجم البتة مع شخصياتهن. هاجسهنّ ليس أن يبدين جميلات كالنجمات بل يرغبن فحسب بتغيير ما لا ينسجم وطبيعتهن الفعلية وإضفاء جمال طبيعي على الوجه الذي بدأ يذوي تحت تأثير التعب والتجاعيد، من خلال عملية شد بسيطة وطبيعية للتخلص من تلك الملامح لا أكثر ولا أقل.ماذا تقول لنا الأرقام؟تشير الإحصاءات إلى أن عمليات التجميل تزداد 10 % سنوياً في فرنسا. إنه خير دليل على النمو الاقتصادي والديمقراطية فعمليات التجميل لم تبقَ حكراً على الأثرياء دون سواهم بل أضحت اليوم في متناول الجميع. بات أمراً طبيعياً أن يجري الناس هذا النوع من العمليات فهي جزء لا يتجزأ من صدقيتهم وقبول الآخرين لهم. ورغم أن النساء يحاولن محو الوقت المنقضي بجعل مظهرهن أكثر شباباً، عليهن ألا ينسين ان بعض الرجال لا يشعرون بشيء حيال امرأة فائقة الجمال. بالنسبة إليهم المرأة الجميلة ليست وجهاً جميلاً أو جسداً رشيقاً فحسب ولا يقتصر الجمال على ملامح معينة أو نظرة أو تصرف، فالمرأة تأسر قلب الرجل من خلال نوع آخر من الجمال لا يستطيع رؤيته. إنه جمالها الداخلي وعفويتها وطباعها التي نشأت معها منذ الولادة لا ما اكتسبته بعمليات التجميل. هل يمكننا القول إن المرأة تحصل بعد عملية التجميل على ما تسعى إليه، أي تقبل الذات؟ بلى، للعملية بعامة أثر رائع على نفسية المريضة. لكن ذلك لا ينطبق على النساء اللواتي يعانين التشوهات. يتمثل دور الجراح الأساسي بالتحدث مع المريضة فواجبه تحضيرها نفسياً ـ في حال كانت تعاني تلك التشوهات ـ لفكرة أن العملية لن تحقق المعجزات وستلازمها بعض الآثار والندوب. هؤلاء النساء لا يشعرن دائماً بالرضى عن الذات حتى لو خضعن لمئات عمليات التجميل. أما البعض الآخر فعلى الجراح إقناعهن بالعدول عن تلك العملية إذ لا يمكنهن تحقيق الآمال التي يعلقونها عليها، من الناحية النفسية. يعتقدن أن هذه العملية ستغير حياتهن العاطفية بشكل جذري وهذا غير صحيح.كيف تختار المرأة الجراح المناسب لها؟أولاً يجري الجراح العملية إنطلاقاً من منظاره الخاص وطريقة تفسيره. فبعض الجراحين يعتقد أن من شأن العملية أن تبرز العينين مثلاً أو النظرة وتعكس جاذبية المرأة وجمالها الطبيعي. أما البعض الآخر فيحاول أن يبتدع من المرأة التي تجري العملية إنسانة أخرى تنطبق عليها معايير الجمال النموذجية حالياً. مهمّ بالتالي أن تدرك النساء أن عليهن تمضية الوقت في اختيار الجراح المناسب لهن. لا بد لهن من التعرف إليه جيداً وإطلاعه على ما يرغبن فيه ومعرفة وجهة نظره قبل أن يتخذن قرارهن.أجرت إحدى النساء ثلاث عمليات تجميل لتصغير صدرها باءت كلها بالفشل، عدا أنها تركت على جسم المرأة ندوباً وتشوهات تمتد من ظهرها إلى صدرها، رغم أن الاختصاصيين أكدوا لها أنها ستنجح. في نهاية المطاف شعرت المرأة بأن أنوثتها قد قضي عليها تحت أيدي الجراحين ولم تعد تستطيع ارتداء ما يحلو لها من ثياب فأثر عليها ذلك أشد تأثير من النواحي الجسدية والنفسية والمعنوية.
توابل - علاقات
يلجأ إليها الرجال والنساء لتحسين المظهر الخارجي عمليات التجميل... حلم عصريّ أم كابوس؟
08-08-2007