في المنفى الألماني، وتحديداً في أحد مستشفيات العاصمة برلين، لفظ الشاعر العراقي سركون بولص (1944 - 2007) أنفاسه الأخيرة صباح أمس عن 63 عاماً بعد صراع مرير مع المرض.

Ad

«كنت أظنه ما زال شاباً يافعاً!» علّق أحدهم «ليس سركون في عمر الكهولة لكنه يعطي انطباعاً بالعيش في شباب دائم».

رأيت صورته مرةً واحدة في مجلة «فراديس» التي كان يصدرها عبد القادر الجنابي وخالد المعالي، صورة يتيمة ما زلت أذكرها، يظهر فيها شاباً وسيماً، لم أعرفه إلا من خلال نصوصه.

كنت أعرف أنه يكتب الشعر بتشرّده ولعناته وجسده المنهك ممّا يشرب، كان يتحمل الفظاظة في حياته ويكتب شعراً يحسده عليه الآخرون، ربما لأن الشعر بالنسبة إليه مشروع يحيا من أجله. الأرجح أن تجربته الشعرية المتميزة رسّخته شاباً، فضلاً عن ابتعاده عن «الاجتماعيات» الشعرية والمدائح التي تصنع شعراء اليوم. لم يسعَ سركون إلى تسويق اسمه في مجتمع الشعراء، لم يتوسّل يوماً أن يكون نواة اطروحة لكتاب نقدي، ولم ينصِّب نفسه أستاذاً، كان شاعراً فحسب.

مات سركون بولص قبل أن يعود الى العراق. كان «اللامكان» هاجسه، سواء حين سافر الى أوروبا، أو خلال السنوات التي أمضاها في سان فرانسيسكو. قال ذات مرة «حياتي أشبه بجغرافيا لا يمكن تفسيرها بمواقع وأمكنة».

لم يعد إلى العراق الذي فكّكت أواصره الحرب، لم يعبر الفرات مجدداً لمقابلة الراحل جبرا إبراهيم جبرا الذي كان يصدر مجلة «العاملون بالنفط». لم يعد إلى كركوك التي طالما كتبها شعراً. كان يعلم أنّ الحرب دمّرت حميمية مدينته وتنوّعها، فكتب عن الهمجية التي نالت من أماكن أحبها وانتمى اليها.

مات سركون بولص ولم نحتفل بشعره بقدر ما كتبنا عن مرضه، لم نقرأه كما يجب، لم نعرف سيرة شقائه، هو المنحدر من مدينة كركوك الذي حاول مع أقرانه في ستينيات القرن الماضي تغيير خريطة الشعر العراقي بل العربي الحديث عبر إحداث ثورةٍ في أساليبه وتقنياته.

مات سركون بولص، والمدهش أنه في السادسة عشرة من عمره أرسل قصائده الـ 16 الأولى إلى الشاعر يوسف الخال فاحتفت بها مجلة «شعر». ابن السادسة عشرة الذي كان منذ الثانية عشرة يكتب على دفتره الخاص كتب في مجلة «شعر».

يذكرنا بولص بزميله الشاعر جان دمو الذي افترش سطوح بيروت قبل أن يقضي نحبه مدمناً في المنفى الأسترالي.

لم تتسع بيروت لسركون بولص رغم كونها ملاذاً. حين كان يتاح إليه الرحيل أو السفر اختار أميركا. قال عام 1969 «أردت أن أعرف بحق من أنا وماذا أريد، أن أناقش كل شيء، أن ابتعد وأكتشف وأعود بجواب، هكذا وجدت نفسي في أميركا، وتلك قصة أخرى».

مات سركون بولص في المنفى الألماني، اعتاد شعراء العراق الموت في المنافي، قبل أشهر ماتت نازك الملائكة في القاهرة، ومات جان دمو في استراليا، وبلند الحيدري في لندن والجواهري في دمشق، إنّها لعنة الغربة!

لم يرَ الشاعر كتابه الاخير «عظمة أخرى لكلب القبيلة» الذي يصدر قريبا لدى «دار الجمل». مات سركون تاركاً لنا عدداً من الدواوين الشعرية على غرار «حامل الفانوس في ليل الذئاب» و«إذا كنت نائماً في مركب نوح» و«الأول والتالي» و«الوصول إلى مدينة أين» و«الحياة قرب الأكروبول» ومختارات شعرية مترجمة تحت عنوان «رقائم لروح الكون» ومجموعة قصصية بعنوان «غرفة مهجورة»، وسيرته الذاتية «شهود على الضفاف».

مات سركون ولكنه في غفلة ترحاله الى المجهول، حيث قد يجد نفسه، ربما نسي أن يقول لنا وداعاً!