يشهد العالم نقطة تحوّل تاريخية، جاءت حرب العدوان الروسية ضد أوكرانيا لتنهي حقبة كاملة، فقد نشأت قوى جديدة أو عادت إلى الواجهة، بما في ذلك الصين القوية اقتصادياً والصارمة سياسياً، ففي هذا العالم الجديد والمتعدد الأقطاب، تتنافس دول ونماذج حُكم مختلفة على السلطة والنفوذ.

تبذل ألمانيا من جهتها قصارى جهدها للدفاع عن نظام دولي مبني على مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وتتوقف ديموقراطيتها وأمنها وازدهارها على الجمع بين السلطة والقواعد المشتركة، ولهذا السبب، تريد ألمانيا أن تتحول إلى ضامنة للأمن الأوروبي بالشكل الذي يتوقعه حلفاؤنا، وأن تصبح بانية جسور داخل الاتحاد الأوروبي، وتدافع عن الحلول المتعددة الأطراف لمعالجة المشاكل العالمية، إنها الطريقة الوحيدة التي تسمح لألمانيا بتجاوز الانقسامات الجيوسياسية المعاصرة.

لا تقتصر نقطة التحول على الحرب في أوكرانيا أو مسألة الأمن الأوروبي، بل تتعلق المسألة الأساسية بالسؤال التالي: كيف نستطيع، نحن كأوروبيين واتحاد أوروبي، أن نبقى لاعبين مستقلين في عالم متعدد الأقطاب؟
Ad


نظام دولي

تستطيع ألمانيا وأوروبا أن تشاركا في الدفاع عن نظام دولي قائم على قواعد محددة من دون الرضوخ للفكرة القائلة إن العالم محكوم مجدداً بالانقسام بين الكتل المتنافسة، يعطينا تاريخ بلدنا مسؤولية خاصة لمحاربة قوى الفاشية، والاستبداد، والإمبريالية، ففي الوقت نفسه، تمنحنا تجربة الانقسام إلى نصفَين خلال المنافسات الأيديولوجية والجيوسياسية تقديراً خاصاً لمخاطر أي حرب باردة جديدة. ربما أطلقت حرب العدوان الروسية نقطة تحوّل حقيقية، لكنّ التغيرات المزلزلة تحصل على مستوى أعمق بكثير، لم ينتهِ التاريخ مع الحرب الباردة، كما توقّع البعض، ولا يكرر التاريخ نفسه اليوم، إذ يفترض الكثيرون أننا نوشك على بدء حقبة ثنائية القطب في النظام الدولي، فهم يتوقعون أن تبدأ حرب باردة جديدة قريباً حيث يحتدم الصراع بين الولايات المتحدة والصين.

لكني لا أوافقهم الرأي، بل أظن أننا نشهد على نهاية مرحلة استثنائية من العولمة: يتسارع هذا التحول التاريخي نتيجة صدمات خارجية، مثل أزمة كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا، لكن لا تقف أسبابه عند هذا الحد، فخلال المرحلة الاستثنائية التي تلت الحرب الباردة، سجلت أميركا الشمالية وأوروبا نمواً مستقراً، ومعدلات توظيف مرتفعة، ومستويات تضخم متدنية طوال ثلاثين سنة، وأصبحت الولايات المتحدة أهم قوة حاسمة في العالم، وستحتفظ بهذا الدور في القرن الحادي والعشرين.

اقتناص فرص

ففي حين تتكيف الصين ودول أميركا الشمالية وأوروبا مع الوقائع المتبدّلة في المرحلة الجديدة من العولمة، بدأت بلدان كثيرة في إفريقيا، وآسيا، والكاريبي، وأميركا اللاتينية، تصبح أكثر ازدهاراً، وهي تشهد طلباً متزايداً على مواردها وسلعها وخدماتها بعدما سمحت بتحقيق نمو استثنائي في الماضي عبر إنتاج السلع والمواد الخام بكلفة متدنية، ويحق لهذه المناطق أن تقتنص الفرص التي تقدّمها لها العولمة وتطالب بتوسيع دورها في الشؤون العالمية، بما يتماشى مع ثقلها الاقتصادي والديموغرافي المتزايد، فهذا الوضع لا يطرح أي تهديد على المواطنين في أوروبا أو أميركا الشمالية، بل يجب أن نُشجّع تلك المناطق على توسيع مشاركتها في النظام الدولي واندماجها معه، إنها أفضل طريقة للحفاظ على التعددية في أي عالم متعدد الأقطاب.

لهذا السبب، بدأ الاتحاد الأوروبي وألمانيا يعقدان شراكات جديدة ويوسّعان الشراكات السابقة مع دول كثيرة في إفريقيا، وآسيا، والكاريبي، وأميركا اللاتينية، ويتقاسم جزء كبير منها صفة الديموقراطية مثلنا، فهذا القاسم المشترك له تأثير كبير، ولا يتعلق السبب برغبتنا في وضع الديموقراطيات في صدام مع الدول الاستبدادية، بل إن تقاسم القيم الديموقراطية والأنظمة يساعدنا على تحديد أولويات مشتركة وتحقيق أهداف جماعية في الواقع الجديد ومتعدد الأقطاب خلال القرن الحادي والعشرين. ربما أصبحنا جميعاً رأسماليين، باستثناء كوريا الشمالية وعدد ضئيل من البلدان الأخرى، كما قال الخبير الاقتصادي برانكو ميلانوفيتش منذ بضع سنوات، لكنّ تنظيم تلك الرأسمالية بطريقة ليبرالية وديموقراطية أو بحسب التوجهات الاستبدادية يُحدِث فرقاً هائلاً. لا تقتصر قيم الحرية، والمساواة، وحُكم القانون، وكرامة الإنسان، على الفريق الذي يدخل تقليدياً في خانة المعسكر الغربي، بل يتقاسمها مواطنون وحكومات من جميع أنحاء العالم، ويعيد ميثاق الأمم المتحدة التأكيد عليها كجزء أساسي من حقوق الإنسان في مقدّمته، لكن غالباً ما تتحدى الأنظمة الأوتوقراطية والاستبدادية هذه الحقوق والمبادئ أو تنكرها، وللدفاع عنها، يجب أن تقرر دول الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك ألمانيا، تكثيف تعاونها مع الديمقراطيات خارج الغرب بمعناه التقليدي، ففي الماضي، كنا نزعم أننا نتعامل مع دول آسيا، وإفريقيا، والكاريبي، وأميركا اللاتينية، بطريقة متساوية، لكننا لم ندعم كلماتنا بأفعال ملموسة في معظم الأوقات، ويجب أن يتغير هذا الوضع، فحين كانت ألمانيا ترأس مجموعة السبع، نسّقت هذه الكتلة أجندتها بالتعاون مع إندونيسيا التي ترأس مجموعة العشرين، حتى أننا أشركنا في مداولاتنا السنغال التي ترأس الاتحاد الإفريقي، والأرجنتين التي ترأس مجموعة أميركا اللاتينية والكاريبي، وجنوب أفريقيا، شريكتنا في مجموعة العشرين، والهند التي تتجه إلى ترأس مجموعة العشرين في السنة المقبلة.

الدفاع عن نظام عالمي

في أي عالم متعدد الأقطاب، يجب أن يتجاوز الحوار والتعاون الحدود الديموقراطية المريحة في نهاية المطاف. تعترف استراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة بضرورة التواصل مع «البلدان التي لا تدعم المؤسسات الديموقراطية لكنها تتكل على النظام الدولي وتؤيّده». يجب أن تتعاون ديموقراطيات العالم مع تلك الدول للدفاع عن نظام عالمي يجمع بين السلطة والقواعد الواضحة ويتصدى للتصرفات الرجعية مثل حرب العدوان الروسية. هذه الجهود تستلزم مقاربة براغماتية ودرجة من التواضع.

كانت رحلتنا نحو الحرية الديموقراطية التي نتمتع بها اليوم مليئة بالانتكاسات والأخطاء. لكن أصبح جزء من الحقوق والمبادئ راسخاً ومقبولاً منذ قرون، بما في ذلك الحق بتجنب الاعتقال التعسفي، إذ لم يتم إقراره للمرة الأولى من جانب حكومة ديموقراطية بل نظام ملكي مطلق في عهد ملك إنكلترا، تشارلز الثاني، كما يحتل مبدأ أساسي آخر الأهمية نفسها، وهو يمنع أي بلد من الاستيلاء على أملاك جيرانه بالقوة، ويجب أن تُطالَب جميع الدول باحترام هذه الحقوق والمبادئ الأساسية وبغض النظر عن أنظمتها السياسية الداخلية.

كبح مدّ العدوان والإمبريالية

يُفترض ألا تصبح مراحل السلام النسبي والازدهار في تاريخ البشرية، كتلك التي اختبرتها معظم دول العالم في بداية حقبة ما بعد الحرب الباردة، مجرّد فواصل نادرة أو تحولات تنذر بالتخلي عن معيار تاريخي حيث تفرض القوة الغاشمة القواعد، وقد نعجز عن إعادة الزمن إلى الوراء، لكننا ما زلنا قادرين على كبح مدّ العدوان والإمبريالية، وتزداد صعوبة هذه المهمة في هذا العالم المعقد ومتعدد الأقطاب، ولتحقيق هذا الهدف، يجب أن تحمي ألمانيا وشركاؤها في الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، ومجموعة السبع، وحلف الناتو، مجتمعاتنا المنفتحة، وتدعم قيمنا الديموقراطية، وتقوي تحالفاتنا وشراكاتنا، لكن يجب أن نتجنب أيضاً النزعة إلى تقسيم العالم مجدداً بين كتل متعددة، مما يعني بذل جميع الجهود اللازمة لبناء شراكات جديدة بطرق براغماتية وخالية من العوائق الأيديولوجية، وفي العالم المعاصر الذي أصبح شديد الترابط، تدعونا الظروف إلى تبنّي عقلية مختلفة واستعمال أدوات أخرى لإرساء السلام وتحقيق الازدهار والحرية البشرية.

في نهاية المطاف، تتعلق نقطة التحوّل في جوهرها اليوم بتطوير هذه العقلية واكتساب تلك الأدوات المطلوبة.

*أولاف شولتس