تُعد النزهات الرمضانية في مدينة صنعاء القديمة تجربة مميزة تجمع بين تراثها التاريخي العريق، وأجواء الشهر الفضيل، فيتحوَّل رمضان في اليمن عموماً، وفي هذه المدينة خصوصاً، إلى منصة ثقافية واجتماعية حيوية، تُقام فيه فعاليات متنوعة تجمع بين الروحانية والترفيه والتكافل الاجتماعي، وليُعد رمضان بذلك ليس مجرَّد شهرٍ للصوم، بل هو لوحة ثقافية تعكس عُمق الهوية اليمنية، وتجذرها في التاريخ الإسلامي والعربي، بكونها إحدى أعرق الحضارات الإنسانية.

ولمدينة صنعاء القديمة سحر خاص يحظى به الزائر إليها والمتنزه بين جنباتها.

وسواء ابتدأ نزهته من بابها التاريخي (باب اليمن – باب غمدان القديم)، مُخترقاً وسطها صوب سوقها الكبير والشهير «سوق الملح»، أو كانت من جهة سائلتها الجميلة، وتحديداً من جوار جامع قُبة المهدي، ومن ثم التنقل بين أزقتها، فهذه المدينة تُعد واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، إن لم تكن أقدمها جميعاً، وتُعد أيضاً متحفاً مفتوحاً يجمع بين جنباته الطراز المعماري المتفرد، والذي جعلها إحدى المدن المسجلة في قائمة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، فمبانيها بُنيت من مواد جمعت بين أحجار الحبش (البازلت) السوداء في طوابقها الأرضـية، ومن ثم بقوالب الياجور (الطين المحروق)، ونُقشت بالزخارف البيضاء المكونة من مادتَي الجص والنورة (الجير)، وسُقفت بالأخشاب، وصنعت منها نوافذها وأبوابها بطريقة مطرزة وساحرة، كما تمتاز بالحوانيت (الدكاكين الصغيرة)، التي تكاد تحتل الأدوار السفلية من كل بيت صنعاني، وبأزقتها الضيقة، وشوارعها المتعددة، بل وبأسواقها الشعبية المنتشرة والمتنوعة على امتداد تلك الشوارع، والتي تقدم كل أصناف التراث الثقافي اليمني، بل ومتطلبات الحياة العصـرية.

Ad

ولصنعاء القديمة في شهر رمضان الكريم نكهة خاصة جعلت منها لوحة حية تعج بالنشاط والحركة، وتنبعث منها روائح النكهات الزكية، كما أن التجوال في سوقها ومشاهدة الباعة وهم يعرضون بضائعهم من مكسرات وتوابل وتمور وحلويات رمضانية تقليدية كـ «الرواني»، و«الشعوبية»، و«القطايف»، و«البقلاوة»، وغيرها، والتي يُقال إنها تعود إلى فترة الحُكم العثماني لليمن، وإن هناك عائلات يمنية من أصول تركية لا تزال تنتجها، وأبرزها عائلة الرموش، يجعلك جزءاً من حكاية ساحرة تمتد لآلاف السنين.

ولك عزيزي الزائر الكريم أن تمارس نزهتك في هذه المدينة سيراً على الأقدام في وقتين مختلفين، وستتمتع بسحرين مختلفين أيضاً، فالوقت الأول يتمثل في نهار رمضان، حيث يمكنك قضاء نزهة جميلة لمشاهدة التاريخ وهو مكتوب أمامك متشحاً بأجواء روحانية قلما تجدها في مدينة أخرى في العالم، لهذا تُعد صنعاء قِبلة لكل الزوار والسياح، بل لكل المشترين والمتبضعين، وتجد فيها كل ما لذَّ وطاب، ومن مختلف البضائع التقليدية والحديثة.

ولكي تستمتع أكثر في رحابها، لا بد لك من أداء صلاة العصر في أحد جوامعها، والتي تتجاوز الـ 125 جامعاً، بحسب كتاب «مساجد صنعاء... عامرها وموفيها»، للعلامة محمد أحمد الحجري.

فلجامعها الكبير، مثلاً، روحانية وتفرُّد من نوعٍ آخر، لكونه أقدم وأبرز جوامع اليمن، وقِبلة أولى لكل زائريها.

أما الوقت الثاني، فيتمثل في المساء، وهذه قصة شيقة أخرى، تبتدئ مع غروب شمس الأصيل، تودعها وتداعبها أصوات الأذان لصلاة المغرب، ليُخيل لك أن هناك معزوفة موسيقية، حيث يتمازج صوت الأذان مع صياح الباعة وضحكات الأطفال، فيتسابق الصائمون حاملين فطورهم من التمر والشفوت والسلطة، لتناوله في ساحات تلك الجوامع، ليعكس ذلك طابعاً روحانياً مميزاً وفريداً.

ولك أن تتخيل أيضاً منظراً أكثر جمالاً وسحراً، يتمثل في الأضواء الخافتة للفوانيس الرمضانية التي تضيء الشوارع، والأضواء الخارجة من نوافذ بيوتها، مما يُضفي بهجةً وسحراً خاصاً على الأجواء، ويخلق لوحة فنية تتحرَّك فيها الذكريات، ليُعد التجوال في صنعاء القديمة ليس مجرَّد نزهة عابرة، بل هو رحلة عبر الزمن تجمع بين الروحانية والتراث والإنسانية.

إنه المكان الذي يمكنك فيه أن تشعر بنبض المدينة وأهلها، وتتذوَّق جمال الحياة في أبسط تفاصيلها... فإذا كنت تبحث عن تجربة رمضانية أصيلة، فإن صنعاء القديمة هي وجهتك بلا شك.

* صحافي يمني