غريب جداً تفكير بعض الناس، أو في واقع الأمر أغلبية كبيرة من العرب أو المسلمين المغيبين عقلياً منذ مئات السنين. ذات العقلية الساذجة التي لم تتأثر، ولا يبدو أنها ستتأثر، بالتقدُّم أو بالعلم أو بالاكتشافات العصرية والنظريات الفلسفية والعلمية الحديثة التي غيَّرت نظرة الإنسان وتعامله مع معتقداته ومعلوماته ومفاهيمه القرن أوسطية.
حرائق لوس أنجلس في الولايات المتحدة ظاهرة طبيعية، حدثت وتحدث في الولايات المتحدة، وتحدث في غيرها من البلدان، لكنها تبدو لنا اليوم شيئاً هائلاً وكارثة مُفجعة، لا لشيء إلا لأن الإعلام والتقدُّم التكنولوجي يسلِّطان الضوء عليها، ويجعلان منها حدثاً مأساوياً يعيشه ويشعر بمآسيه كل مَنْ يعيش على هذا الكوكب.
لو أن هذه الحرائق حدثت قبل بضع سنين، قبل تكنولوجيا هذا العصر، مثل الإنترنت، والراديو، والتلفزيون، وقبل الاتصالات اللاسلكية، لربما احتجنا إلى أشهر أو سنوات حتى نسمع بها، وإن سمعنا بها فستكون حدثاً، أو بالأحرى «سالفة» تمرّ، بعضنا يصدِّق بها، والآخر يكذِّبها، والأغلب ربما لا يتفاعل معها على الإطلاق. وغني عن القول، أنه لولا علماء أميركا وأسلافهم لما توافرت لدينا هذه التكنولوجيا نفسها.
لكن هذا كله لم يمنع المغيبين عقلياً، والمنتشين بروايات وأحاديث، وأسرى الأمجاد المزيفة للعصور الغابرة، من أن يجيِّروا هذا الحدث المأساوي لمصلحتهم، ويفسروه على أنه نصر من الله، ومؤازرة لهم، أو بالأحرى بديل وتعويض عن عجزهم وفشلهم في مواجهة تقلبات الزمن وهيمنة «الآخر» على مقدَّرات شؤونهم. هو انتقام الله من الأميركان، وعقاب لهم على أفعالهم، هكذا يفسِّر المغيبون عقلياً هذه الظاهرة الطبيعية.
العجيب والغريب في الأمر، أن هذه العقلية، التي هي على ثقة وإيمان بأن ما حدث في لوس أنجلس هو عقاب من الله للولايات المتحدة على دعمها لإسرائيل وفتكها بأبناء المنطقة، ويهللون ويسبِّحون ويدعون الله على الأميركان بالمزيد... العجيب أن هؤلاء هم ذاتهم مَنْ كانوا يهللون ويدعمون قصف وحرق الإسرائيليين والأميركان خلفهم لغزة، لأنهم إخوان مسلمون، ويطالبون إسرائيل بالمزيد من التقتيل في حزب الله، بوصفهم «روافض».
وهكذا، فإن عقليتهم المغيَّبة، التي لا يبدو أنها ستصحو أبداً، تمجِّد وتهلِّل لقصف وتدمير بلاد المسلمين، ثم تعود بكل وقاحة، وبكل ثقة أيضاً، لتسبِّح بحمده، وتدعو إلى التنكيل بمَنْ ساعد أو صمت عن هذا القصف.