رحب المحامي ومدير الحلقة حسين العبدالله بالضيوف، وقال: نستهل البرنامج بمناقشة المحور الأول المتعلق بمدى الحاجة إلى قانون تعارض المصالح على الرغم من وجود بعض أحكام قانون مكافحة الفساد. وقد سأل مقدم الحلقة د. بوزبر حول مدى الحاجة لهذا القانون وخصوصاً أنه كان ضمن فريق عمل هيئة نزاهة، الذين شاركوا في وضع اللمسات على هذا القانون وطالب به.
المتحدثون خلال الحلقة النقاشية


استحقاق ضروري

وأجاب بوزبر: «أولا أنا سعيد بوجودي معكم في هذه الجلسة الحوارية والتي سوف نسلط الضوء من خلالها على واحد من أهم القوانين التي فعلا برزت في الآونة الأخيرة واستطاع مجلس الأمة أن يتحمل مسؤولياته وأن يصدره بالطريقة المطلوبة وفقاً لما نرجو، لأن الكل يدرك تماماً أن مكافحة الفساد لا تنتهي بعملية التشريع هذه، بل تستمر بعد ذلك إلى تشريعات أخرى متوافقة مع التزاماتنا باتفاقية الأمم المتحدة، التي صادقت عليها الكويت، وهو ما يتطلب وجود جملة استحقاقات ينبغى على الكويت أن تلبيها، ومن أهمها إنشاء هيئة مكافحة الفساد عام 2016، وقانون حق الإطلاع الذي صدر في الآونة الأخيرة، ثم الآن التحديث والتصحيح لقانون تعارض المصالح الذي صدر في 2018 وقامت المحكمة بإبطاله نتيجة عوار في الصياغات الواردة في بعض التجريمات، ولذلك أنا أوكد تماماً أن هذا القانون يشكل بالنسبة للكويت استحقاقا دوليا ضروريا من أجل أن يتغير مؤشر دولة الكويت في مواجهة ومكافحة الفساد باعتبار ان هذا القانون يعتبر إضافة إلى الجهود المبذولة من هيئة مكافحة الفساد والجهات الأخرى القائمة على ذلك».
Ad


تدارك المثالب السابقة

وأضاف: «منذ صدور هذا القانون من 2018 وحتى اليوم والجهود المبذولة على مستوى هيئة مكافحة الفساد أو حتى على مستوى الجهود التشريعية الأخيرة، نتمنى أن يتم تدارك كل المثالب كما أوصت المحكمة الدستورية في حكمها الذي أبطل القانون في 2018 ومن أهمها عملية ضبط الصياغة التشريعية بحيث يكون هناك وضوح يتلخص في تثبيت الركن المادي للتجريم والعقوبات، وبنظري وإطلاعي السريع على هذا القانون، أعتقد أن المشرع استطاع أن يتلافى هذه الملاحظات التي أوردها باعتبار أن القائمين على هذا التشريع كان أمامهم حكم المحكمة الدستورية وكانوا لا ينتقلون من بند إلى آخر حتى يتلافوا ما أثارته المحكمة الدستورية ومن أهمها عملية ضبط الصياغة وتثبيت الجرم والركن المادي لجريمة ما يعرف بتعارض المصالح، وهذه الجريمة المستحدثة، باعتبارها جريمة فساد جديدة سيتم النص عليها بموجب قانون سيكون إضافة تشريعية جزائية نسعى من خلالها أن نقوم السلوك الوظيفي في دولة الكويت والحد من الممارسات الخاصة بعملية التنفيع والمشاركة في قرارات قد يكون هناك فيها ميزة أو تربح أو مصلحة خاصة ينتفع منها البعض».

ملاحظات وثغرات

وحول قراءة د. أحمد العازمي لهذا القانون، قال: «أشكركم أولاً على إتاحة الفرصة لي للحديث حول مشروع تعارض المصالح المطروح في مجلس الأمة، وخصوصاً أن هذا القانون مهم جدا لا سيما أن الداعي لإصداره ليس فقط حاجة الدولة لمنع تعارض المصالح وما تثيره هذه المسألة من وقائع فساد، بل هناك أيضا التزام دولي وفقا لاتفاقية دولية وقعتها دولة الكويت في عام 2003 مع الأمم المتحدة تلزمها بأن تعدل تشريعاتها وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لإصدار مثل هذا التشريع».
أحمد باقر - نواف الياسين
وذكر أن «ما أشار إليه به د. بوزبر حول الصياغة التشريعية فإنه بالفعل هناك بعض الملاحظات على المشروع وفقا لصيغته الحالية حيث يبدو لي أن الأمر لا يتعلق فقط بالجانب الدستوري بل إنه أيضا هناك ثغرات وقفت عليها وتثير علامات استفهام حول كيفية مرور هذا المشروع بصيغته الأولى من خلال مجلس الأمة، وهي ثغرات لا تعالج الجريمة بل تسمح بانتشارها ومنها موضوع صلة القرابة التي قلصها المشرع مداها إلى الدرجة الثانية، ويبدو لي أن هناك فهماً وقراءة خاطئة لحكم المحكمة الدستورية عندما تناولت اتساع نطاق الأشخاص الخاضعين لذلك القانون أو المرتبطين بالخاضع، وهذه القراءة الخاطئة دفعت من صاغ هذا المشروع إلى تقليص درجات القرابة من الدرجة الرابعة في القانون الذي قضي بعدم دستوريته إلى الدرجة الثانية وهو أمر خطير، وتخيلوا معي أن يتم استبعاد أعمام وأخوال الشخص باعتبارهم مرتبطين بوقوع هذه الجريمة لأن درجة القرابة هنا هي الثالثة والأبناء بالدرجة الرابعة».

وأضاف: «كما نجد رابطة الزوجية غائبة في هذا القانون، ولذلك فإنه وفقاً لهذا القانون لا توجد جريمة إذ قام الشخص بالوساطة لزوجته مثلاً».

وفي سؤال للمحاور: لماذا نأتي بقانون وكان بإمكاننا أن نعدل على قانون «نزاهة»؟، أجاب العازمي: «بالفعل لدينا قانون رقم 2 الصادر عام 2016 والخاص بإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد (نزاهة) والكشف عن الذمة المالية، وهو قانون جاء كاملا متكاملا فيما يتعلق بمكافحة الفساد، أما منع التعارض فهو جزء من كل، وحسن السياسة التشريعية يفترض بنا أن نضع القانون في قالبه المناسب بدلا من أن يكون لدينا تشريعات مترامية هنا وهناك، وبالفعل فإن مكان هذا القانون الطبيعي هو قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد، فما الذي منع المشرع من أن يضع هذه التعديلات بنصوص إضافية ومواد تضاف إلى قانون قائم بذاته؟! ولذلك فإننا نلاحظ أنه يتم الإشارة في بعض الأحيان إلى قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد».

قانون ضروري ومهم

وفي سؤال المحاور للوزير السابق أحمد باقر حول مدى احتياجنا لقانون تعارض المصالح، أجاب: «أولا نرحب بكم في هذا اللقاء التنويري الذي افتقدناه بالفترة الأخيرة»، موضحا أنه بفترة وجوده في مجلس الأمة والحكومة، كان كل اقتراح يطرح في المجلس يتم نشره في الصحف ليعلق عليه المختصون، أما الآن فلم يعد يتم نشر إلا العناوين فقط، ولذلك «أضطر أنا كمتابع مثلا أن اتصل بالاخوة في المجلس واطلب منهم في الأمانة العامة أن يرسلوا لي هذه الاقتراحات وهي عملية صعبة».

وعن القانون، قال: «وفقاً للاتفاقية الدولة لمكافحة الفساد في الأمم المتحدة، والتي شارك فيها عدد من أعضاء السلك القضائي الكويتيين، والتي قمنا بتوقيعها في المكسيك باعتباري وزيرا للعدل في تلك الفترة، كان هناك يقين بأنه لا تعارض بين الاتفاقية وقوانين الدولة، والآن المطلوب منا أن نكمل هذا المشروع من خلال القوانين المتوائمة مع الاتفاقية، بعد أن قمنا بإنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد، والآن نحن أمام قانون مهم جدا وضروري، ولا أود أن أدخل في تفاصيل كثيرة، لكن يمكن أن تسأل الكويتيين في كل الدواوين حول ما صار في الكويت من حالات تعارض مصالح والتي لم تجد العقوبات أو التشريعات التي تضبطها والتي لا يمكن الخوض فيها دون حكم قضائي».
وتابع: «للأسف صارت الواسطة جزءاً من علاقاتنا وارتباطاتنا بالدواوين، وفكرة المرشح النيابي والوزير كلها أمور تحتاج إلى علاقات وارتباطات ووساطة، وما يتبع ذلك من قيامه بتخليص معاملات ربعه، فهل نحن قابلون اجتماعيا وسياسيا وبرلمانيا أن نحارب الواسطة بقانون؟». وزاد: «هذا القانون ضروري ومهم، لأن المسؤول بالفعل يسعى من خلال منصبه لخدمة ربعه، وحين أصدر المجلس السابق قانون تعارض المصالح في 2018 كنت متابعا له عن كثب وعندما خلصت المداولة الثانية كتبت في جريدة الجريدة أن هذا القانون غير دستوري بهذا الشكل وهذه الصياغة، نتيجة ما يتضمنه من مواد واضح عوارها الدستوري وخاصة رقم 4، وبعدها كتب بعض الأخوة، ثم صدر قانون المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون نتيجة اخطاء الصياغة، ولكن التعديل الحالي استفاد كثيرا من الخطأ والتجربة السابقة، وقد يكون هناك مشكلة في بعض الصياغات البسيطة لكنه نقلة كبيرة مقارنة بالقانون السابق».

عيب بالصياغة ظاهر

وفي رده على نفس السؤال، قال أستاذ القانون الخاص د. نواف الياسين حول ملاحظاته: «بالبداية أنا شاكر لكم على الاستضافة حول القانون الذي يعد استحقاقا دوليا، ولكن في قراءة نقدية لهذا القانون خاصة في ظل وجود مداولة جديدة حوله، ولكن حول القانون وفي مادته الأولى التي تحدثت عن التعاريف للأشخاص المرتبطة بالقانون أوردت 3 أطراف وهي القرابة أو النسب أو المصاهرة في بيانه للشخص المرتبط، ولكن الأصح هو القرابة بطريق النسب أو بطريق المصاهرة والذي يشمل الزوجة، فلا يوجد شيء ثالث اسمه قرابة وفقط، وكأن القانون يعدد فقط دون معنى حقيقي وهو عيب بالصياغة ظاهر».
محمد بوزبر - أحمد العازمي
وأضاف: «أود أن أنبه أيضا إلى أن القرابة من الدرجة الرابعة كانت من محظورات التعامل، والدرجة الثانية ببساطة شديدة، أنه إذا كان عندي قرار ومحل هذا القرار ابن العم فهو غير داخل معنا لأن أبناء الدرجة الأولى هم الأبناء والزوجة والعلاقات المباشرة، أما أبناء العم فقد طلعنا من منطقة التجريم، ولكن في الكويت تواجهنا مشكلتين، إحداهما الخوف من التوسع لأن علاقتنا الاجتماعية متجذرة، والثانية أن ذلك سيخرجنا عن الضابط الدولي والذي يتكلم عن مرحلة أو درجة رابعة، وهي مسألة تستحق الانتباه، وهناك مسألة أخرى وهي النسبة المؤثرة والتي قررها المشرع بـ 5 في المئة لكن الملاحظة المهمة أن هذه النسبة لم تأت على مجموع الأصل المطلوب منه الإفصاح وأقربائه بل تأتي على أحد أطرافه، بمعنى أنه إذا عندي مثلا 2.5 في المئة وزوجتي أو أحد أبنائي عنده 3 في المئة فقد تجاوزنا الخمسة ولكنها لا تحسب لأنه يجب أن يكون أحدهم وهو الفرد ذاته أو أحد الأقرباء حتى يكون الفرد تحت طائلة المخالفة لفلسفة القانون وفكرته، ولذلك فإن هذه النسبة (الـ 5 في المئة) محل نظر كبير في هذا القانون ولذلك يجب أن تكون مجمعة وليست فردية».

الإفصاح عن البيانات

وأضاف: «لفت نظري في الصياغة مسألة الإفصاح والكشف عن أي معلومات وقائع أو بيانات، ولكن كل هذا ليس مطلوبا، فمن يفصح لا يحقق بصحة إفصاحه، فقط يفصح أنه في حالة تعارض المصالح، إذ ليس من حق الجهة الإدارية أن تبحث وتتحقق أنه في حالة من تعارض المصالح، بل يكفي أن يتحسس الإنسان ويشعر أنه في حالة تعارض المصالح، ويصدق في هذا المجال احقاقا لمسألة الموازنة في قضية الإثبات لأنه ليس مطلوبا منه الإثبات، كما أن قانون تعارض المصالح في هيئة أسواق المال هو أبعد وأفضل من القانون الجاري مناقشته لأنه تكلم عن تعارض المصالح المحتمل، وهو مظنة أن أقع تحت طائلة تعارض المصالح في المستقبل، مثلا أن ترسو مناقشة على شركة معينة قد يصدر حكم مستقبلا بدخولي في هذه الشركة بالنسبة المحظورة أو قد أرث نتاج هذه العلاقة مستقبلا، وهو بعد غير موجود في القانون الجاري مناقشته، وبالنظام السعودي يوجد المحتمل والظاهر وحالة تعارض المصالح في 3 صور أما هنا فقد أخذنا صورة واحدة فقط».

وزاد: «المادة 4 في القانون غريبة، ولا أجد لها تفسيراً حيث يتعين على الجهة إبلاغ الموظف أنه في حالة تعارض مصالح وإذا هو ما أخذ الإجراء القانوني المناسب تتجه الجهة إلى الجهات المسؤولة النيابة العامة أو هيئة مكافحة الفساد، وهذا إجراء قانوني ولكن وفقا للقاعدة القانونية يجب أن تكون عامة ومجردة ولها عقوبة جزائية، ولكن إذا لم تقم الجهة بهذا الإجراء فما هي العقوبة الجزائية لها، ولا نجد في النص الآن أي عقوبة جزائية عن تخلف الجهة عن القيام بدورها في هذين الالتزامين».

وحول المادة 5، قال: «أستغرب جدا ما ورد فيها بأنه يقدم البلاغ إلى النيابة العامة أو هيئة نزاهة، ولكن القانون نفسه قصر التحقيقات على النيابة العامة فما هو دور (نزاهة)، التي ربما تستقبل البلاغ ثم تحوله للتحقيق وهي عملية إطالة، ولكن الواجب قانونا حسمها بطريقة سريعة لأنها مرتبطة بقرار يصدر من هذا الشخص حول ترسية مناقصة وبناء مركز قانوني معين، ولكن الإطالة لا تجعل هناك مركزا قانونيا في نفوس الناس لبنيان هذه المراكز القانونية ومسألة الإطالة ليس لها مسوغ عملي».

وأضاف: «المادة 7 من المواد التي لا أفهمها بشكل واضح، فإذا علمت هيئة مكافحة الفساد بقيام حالة تعارض مصالح، عليها أن تتحقق من إقرارات الذمة المالية، ولكن كيف تعلم (نزاهة)، وإذا كان العلم عن طريق التبليغ، فمعناه أن الذي يبلغ الهيئة سيدقق في اقرارات الذمة المالية، ومن يلجأ إلى النيابة العامة مباشرة فلن تستطيع نزاهة التحقق من اقرارات الذمة المالية لأنها لن تعلم، لأن الإعلام المباشر سيكون بالنيابة العامة، ولذلك فسيتم تفويت مصلحة متحققة إذا كانت مسألة التدقيق على إقرارات الذمة المالية مهمة، فنقدمها سواء للنيابة العامة أو إلى نزاهة». وأضاف: «يوجد شيء غريب بالنصوص وخاصة مادة 8 التي تقول: يعاقب بالغرامة 3 آلاف دينار عن امتلاك أي مستند أو أي شخص مرتبط بنسبة مؤثرة عن أي نشاط مالي أو تعاملات مالية و و و، وغيرها وهو تعداد لا أعرف أهو وارد على سبيل المثال أم الحصر، فإذا كنت تعدد على سبيل المثال فأنت تقلص من مساحة التجريم، وإذا كان على سبيل الحصر فأنت توسع من مساحة التجريم، والخيار الأسلم إن أردت التوسع عليك استخدام مصطلح واحد شامل مانع ونترك هذه المسألة للقضاء والواقع العملي. وفي بعض النقاط السريعة أيضا غير المفهومة نهائيا أن القانون وهو 20 مادة مررت عليها، ومنها مادة 19 التي تقول: لا تمنع العقوبات الواردة في هذا القانون من توقيع عقوبة أشد قد تكون مقرة في قانون آخر، وفي صلب القانون قررت أن هذه الجرائم هي جرائم فساد، فإذا انتقلنا إلى وصف هذه الجرائم سنتجه إلى القانون 2 عام 2016 الذي قرر ذات النص وأنه لا تسقط العقوبة ولا يكون في امتداد زمني على العقوبة، فما الحاجة إلى هذا التكرار مرة أخرى».

مشكلة مع القضاء؟

وسأل المحاور د. محمد بوزبر حول «هل تجاوز المشرع المثالب والعيوب الدستورية التي وردت في حكم المحكمة الدستورية، وخصوصاً انه كان هناك اعتراض من السلطة القضائية بشمول أحكام هذا القانون لتعارض المصالح على القضاة والنيابة، باعتبار أنه تنطبق عليهم أحكام قانون المرافعات الخاصة في طلبات الرد والتنحي، ولذلك فإن مسألة أن القاضي يفصح في كل تعامل قد يباشره، مثل أن ينظر منازعة دستورية أو جزائية أو تجارية مدنية، فبالتالي يجبر أن يفصح حول شقيقه أو أحد أقربائه بالدرجة الثانية، فهل هذه المسألة سوف يتقبلها القضاء وخصوصا أن مشروع القانون اليوم قال: كل موظف عام أو من في حكمه كالقضاة مثلا، وبالتالي كيف نعالج هذه المسألة، كما أن النائبة عالية الخالد من ضمن الملاحظات التي أوردتها أن هذا القانون أيضا ينصرف تطبيقه على كل الموظفين مع أنه من الأحرى أن ينصرف إلى المخاطبين بنص المادة 2 من قانون نزاهة وهم مدير إدارة إلى الوزير أو رئيس الوزراء، فهل تعتقد أن هذا القانون توسع أو تجاوز المثالب الدستورية أم أننا نقع في مشكلة الآن مع السلطة القضائية؟».

وأجاب بوزبر: «إن هذا القانون يأتي تباعا لقانون هيئة مكافحة الفساد الذي حصر وظائف محدودة لا تتجاوز 14 ألف وظيفة من ضمنها القضاة الذين يخضعون إلى كل قواعد وقانون الهيئة ومن ضمنها الجرائم وهذا الإخضاع أيضا واجه مجموعة من الطعون بعد الطعن بحكم المحكمة الدستورية على هيئة مكافحة الفساد إلى جانب مجموعة من الطعون رفعوها قضاة إما تتعلق بكيفية تقديم إقرار الذمة المالية للهيئة، أوغير ذلك وهو ما يتعارض مع المادة 50 من قانون الفصل بين السلطات، وحسمت المحكمة الدستورية الامر بأن هذا القانون ينسحب أيضا على القضاة، وهذا القانون في حال اقراره بأي شكل من الأشكال أو في حال تطويره مستقبلا فهو يحتاج إلى التحصين لأنه يعتبر من القوانين الجدلية والتي تحتاج إلى ترسيخ ثقافة معينة لأن الجريمة التي نتحدث عنها بالسابق كانت احتمالية في القانون السابق، والتي قام المشرع بوضعها في روابط تشريعية جديدة تتعلق بقيام الركن المادي وهو العلم، يعني عليك أن تفصح وعليك أيضا ألا تباشر أي سلوك من شأنه أن يعطيك ميزة خاصة وهو تميز من المشرع في الوقت الحالي الذي استدرك هذه الاخطاء السابقة».

مواجهة الخاضعين

وأكمل بوزبر: استلزم المشرع أيضا في هذه النقطة أن يكون هناك العلم متحققا عند الشخص، لأنه بالدرجة الثانية يكون عندي - على الأقل - العناية اللازمة أن أكون على علم بدرجة علمي فيما يملكه أخي أو زوجتي أو ابني، وأن يكون لديّ العلم متيقنا، لكن في القانون السابق عندما كان بالدرجة الرابعة كان العلم مستحيلا أن يكون كذلك، فكيف لك أن تعلم ما يملكه ابن عمك أو غيره؟ وهذه النقطة يتم تجاوزها بقصر هذا القانون على مجموعة الدرجة الثانية، ولا أخفيك أنه لم تقتصر فقط على الدرجة الثانية، بل تركها أيضا مفتوحة مع الفئات الخاضعة لهيئة مكافحة الفساد التي تقدم إقرارا، والنقطة التي أضافها د. الياسين فيما يتعلق بالمادة 7 والمادة 15 الخاصة بدور لجان الفحص، فإن هنالك تكاملية بين المادتين، لأن المادة 15 لن تعمل، وهي لجان الفحص، إلا في مواجهة الخاضعين.

فعندما يأتي بلاغ لهيئة مكافحة الفساد بخصوص عدم الإفصاح أو هناك واقعة تعارض مصالح، فعلى الهيئة أن تباشر دورا إضافيا بالتحقق من جرائم أخرى لن يكون إلا على الفئات الخاضعة، وهنا نحن نتكلم تحديدا عن 14 ألف وظيفة حكومية، والتوجه الأخير مع النيابة العامة أصبحت ترى في هيئة مكافحة الفساد جهة استدلال وتقصّي حقائق، وأنا أتفق مع الياسين، فقد تكون هنالك استطالة في تحويل الموضوع إلى هيئة مكافحة الفساد، ومن ثم يخرج إلى النيابة العامة، ولكن أيضا قد يكون نوعا من الضمانة للتحقق من توافر التعارض، إضافة الى عدم استطالتها مع جرائم أخرى، كالكسب غير المشروع من خلال اللجان.

ووجّه المحامي العبدالله سؤالا إلى د. العازمي قائلا: برأيك من خلال عملية البحث الذي أجريتها، هل القانون تجاوز العيوب والمثالب الدستورية، أم أنها مازالت، وأن هذا القانون مرشح أيضا للقضاء بعدم دستوريته مجددا، خصوصا أن المحكمة الدستورية في 2018 قضت بعدم دستورية جميع مواد هذا القانون، ومن القراءة الأولى نجد أن بعض مواد القانون لا تزال موجودة، فهل هذا القانون بمسودته الحالية مرشح لأن يقضى أيضا جزء أو كل منه، وأيضا ما يتصل في موضوع القضاة وانطباق القانون عليهم؟

وردا على السؤال، قال العازمي: فيما يتعلق بتجاوز المحاذير التي أثيرت من خلال حكم المحكمة الدستورية الذي قضى بعدم دستورية القانون سابقا، فإنّ المشرع تجاوز بعض هذه المحاذير، ويبقى لدينا البعض الآخر على سبيل المثال، فأنا أرى أنّه من أهم المحاذير التي لم يتجاوزها المشرع حكم المحكمة الدستورية، أشار إلى أن حالة تعارض المصالح هي حالة عارضة لا تشكّل بذاتها إثما جنائيا، ووجود الشخص في مثل هذه الحالة فقط دون أن يرتكب فعلا أو امتناعا عن فعل هذه الحالة من الممكن لأسباب أخرى لا علاقة لها بهذا الشخص الخاضع، وبالتالي وجوده في هذه الحالة وفقا لحكم المحكمة الدستورية، ونحن بلا شك نؤيد حكم المحكمة الدستورية من هذا الجانب لا يشكل بذاته جريمة.

فقدان التجانس

وأكمل العازمي: كيف تفادى المشرّع هذا الأمر؟، المشرع جاء في التعريفات بالمادة الأولى ذكر أن تعارض المصالح هو تضارب بين مصلحة خاصة وما تطلبه الوظيفة من واجبات ومسؤولية ونزاهة، وحتى يتلافى المشرّع هذه الحالة العارضة، جاء في نفس المادة، وذكر تعريف المصلحة الخاصة، وقال إنها هي المصلحة المادية والمعنوية التي قصد الخاضع تحقيقها له أو لأي من الأشخاص المرتبطين به، نتيجة القرار أو التصرف الذي اتخذه أو شارك في اتخاذه.

وأردف قائلا: نحن الآن نتكلم عن قرار اتُّخذ في الماضي سابقا، أي نتكلم عن ركن مادي وقع، فكيف يأتي المشرّع في المادة الثالثة، وينص على أنه يتعين على الخاضع عن وجوده في حالة تعارض مصالح؟ ونحن الآن أمام حالة تعارض مصالح مجردة، وقد ذكرها حكم المحكمة الدستورية، وقرر أن هذا النص غير دستوري، أم نتكلم عن حالة تعارض المصالح التي جاءت فيها التعريفات بأنها مرتبة بمصلحة ومرتبطة بإرادة الخاضع، وهي المصلحة التي يريد أن يحققها واتخذ بالفعل قرارا أو تصرّفا شارك باتخاذه في الماضي، وهنا أنا أتكلم عن واقعة وحالة تعارض قائمة بذاتها، ثم في تعريف المصلحة أتكلم عن حالة وقعت بالفعل، واتخذ القرار أو شارك فيه ثم في المادة الثالثة آتي وأقرر أن عليه أن يقرر ويفصح. فالحقيقة لا يوجد أي تجانس بين مواد القانون، ومازال هنالك خلل في الصياغة، ومازالت هذه المواد تفتقر لدقّة الصياغة.
وأضاف العازمي: من الملاحظات التي لدينا هي المبلّغ، حين ذكر المشرّع عن المبلّغ، وهي ثغرة في هذا المشروع، فالمبلّغ هو الشخص الذي يقوم بالإبلاغ عن وجود تعارض مصالح مطلقا، ومن الممكن أن يكون الشخص الخاضع ذاته هو من قام بالإبلاغ.

وفي المادة 6 أنت تشير إلى أن يتمتع المبلغ عن جرائم تعارض المصالح بذات الحماية المقررة في قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد، وقد يستغل هذه الثغرة، حيث إنك لم تحدّد المبلّغ غير الخاضع.

وفيما يخص توسعة القانون ليشمل القضاة، قال إنه بلا شك حدد قانون إنشاء الهيئة العامة لمكافحة الفساد الخاضعين للمشروع، وعرّفهم المشرع، وأشار إلى قانون إنشاء الهيئة العامة، لأنها توسعت فيما يتعلق بالمخاطبين، ولم تستثنِ سوى سمو الأمير وسمو ولي العهد، بحكم الدستور، أن الذات الأميرية مصونة ولا تمسّ، فلم تستثن أحدا من رئيس مجلس الوزراء أو رئيس مجلس الأمة، فهي مستحقة.

وقد يقول قائل إن لدينا من النصوص ما فيه الكفاية لدفع هذا الضرر من القضاة ومزاولة أعمال القضاء، لكن يبقى لقواعد عدم الصلاحية أنها متعلقة بالحكم الصادر في الدعوى، وهذا من جانب، ونحن نتكلم عن المسؤولية الجزائية، وأيضا لا توجد مسؤولية مدنية فيما يتعلق بمساءلة القضاة عن أعمالهم.

والأمر الآخر أن القضاة يمارسون بعض الأعمال خارج نطاق القضاء أو خصومة قضائية، مثل القضاة الذين يتولون الأعمال في إدارة التنفيذ، وهذه أعمال إدارية لا يمكن أن نقول هنالك قواعد عدم صلاحية وعدم ردّ، وبالتالي ينطبق عليه القانون.

عدم تجانس تشريعي

وسأل المحامي العبدالله وزير العدل، النائب السابق أحمد باقر: هل تعتقد أن من الواجب أن ينطبق قانون تعارض المصالح على جميع الموظفين، أم تعتقد أن الأفضل أن يطبق على المخاطبين بتقديم الذمة المالية أم يطبّق على موظفي الدولة كافة؟

أجاب: فيما يخص ملاحظتي في الفقرة الخاصة بالمصلحة الخاصة؛ سواء المادية أو المعنوية وما المقصود بالمعنوية، وكيف يتم إثباتها، لا أجد أي شرح لكلمة المعنوية، والأمر الآخر المادة 2 الفقرة الثانية، هي التي تتكلم عن الموظفين، فهنالك مشاكل صياغة، فنجدهم جاؤوا في فقرة أو مادة أخرى، وحددوا أنه يجب أن يكون لديه ملكية 5 بالمئة في شركة، وهذه الفقرة تشمل 450 ألف موظف، ولو ضممنا إليهم العسكريين سيكون العدد أكبر، فبالتالي هذه المادة يجب أن يكون هنالك صفة للموظف؛ سواء قدرة اتخاذ القرار واستطاعة التأثير على القرار يجب أن تأتي أولا لتبني عليها التفصيل الوارد 5 بالمئة، والأقرباء من الدرجة الأولى أو الثانية، كما أنه لم يتم ذكر المستشارين، وهذه نقطة خلافية شديدة في القانون الأصلي الذين تم استثناؤهم من القانون السابق، وهذا موجود في الصياغة الأولى، ويجب أن تتم إضافتهم في القانون الجديد.
ضيوف الحلقة النقاشية
بدوره، قال الياسين: تقول مادة 3 «يتعيّن على الخاضع عند وجود حالة تعارض مصالح أن يفصح ذلك وفق النموذج الذي تعدّه الهيئة»، أي هل هيئة مكافحة الفساد نزاهة ستقوم بإعداد نموذج؟، فإذا ما كانت هي من ستعد النموذج فأنت طوال فكرة التشريع تحذّرنا بطريقة مبطنة أنك لا تريد من «نزاهة» أن تتلقى البلاغات، والدليل أنك قلت في هيئة مواجهة الفساد، وفي الجهة التي ستوكل لها اللائحة التنفيذية تلقي هذه البلاغات من يتلقى البلاغات هو من باب أولى من يضع النموذج ويحدد معالمه، كما ورد في اللائحة التنفيذية بالمادة 3، وأنا أرى في تقديري الشخصي ورود كلمة تعده الهيئة «خطأ مادي»، وكان من المفترض أن يقال تعدّه الجهة.

ومن الواضح أن هنالك مشكلة في الصياغة، والجانب الدستوري الذي لفت انتباهي ومتخوف منه هو فكرة اللائحة التنفيذية، وكثرة إيكال تفاصيل قانونية إلى اللائحة التنفيذية ستدخلنا في محظور دستوري، لأنّ اللائحة التنفيذية لا تستطيع وضع عقوبة إلا بقانون، فمن يخالف كيف سنتعامل معه، وما هي الضوابط، وكيف سنفصل بين فكرة النص القانوني وفكرة اللائحة التنفيذية للقانون، والتي من المفترض ألّا تخرج عن النص التشريعي. وختم قائلا: أين مسألة تعارض المصالح مع القطاع الخاص؟ اتفاقية مكافحة الفساد التي ألزمت الكويت بوضع هذا القانون تحدثت كذلك عن عدم وجود حالة تعارض مصالح في القطاع الخاص، ويمثّل اليوم القطاع الأكبر، وتريد أن تكون مركزا جاذبا، وهذا يتعارض مع هذه المسألة كذلك جميع القوانين الحديثة، ومنها قانون حماية المنافسة صدر قانون يتعلق بالإفلاس جميعها تخضع قواعد لمسألة تعارض المصالح.
«مصلحة النائب»
رأى د. أحمد باقر أنه «يجب ان نتكلم عن مجلس الأمة والقوانين التي صوت عليها العضو وتكون له مصلحة فيها هل هي مشمولة في هذه الحالة، ويجب ان يفصح عنها؟ وإن كانت المصلحة في قوانين عامة مردودة وغير منظورة، وليست محددة بمبلغ معين أو فائدة مادية معينة مثل قانون مزاولة مهنة المحاماة، وهنالك نواب مجلس أمة من المحامين، فهل يصوت أم لا يصوت؟ وهذا سؤال جدير بالطرح».
.
القانون والقضاة
قال د. محمد بوزبر: «في نظري ان قانون تعارض المصالح بشكله الحالي وإن كان يثير بعض الإشكاليات في فهمه من خلال بعض القضاة، لكنه أيضا يشكل ضمانة اضافية بالنسبة لهم، بحيث أعي تماما وكذلك القضاة بأن قانون المرافعات وقانون القضاء يلزمانهم بهذه الالتزامات، كما يوجد مدونات سلوك في الآونة الأخيرة على مستوى النيابة والقضاء من حيث اضافة ضمانات على عمل القاضي، ولذلك أنا بنظري يبقى الخيار متاحاً لدى القاضي بتطبيق ما يراه مناسباً من الأفعال، وممكن أن يطبق على نفسه قانون القضاء في مجال الرد وغير ذلك الأمور وقانون الإفصاح القضائي».
.
ملاحظات وأخطاء
أكد د. نواف الياسين أن «لدينا 20 مادة في القانون وهنالك ملاحظات كثيرة على الصياغة، وأعتقد أنه لا يليق بالبرلمان أن يصوت في المداولة الأولى على هذا الشكل من اشكال القوانين، فهنالك أخطاء لغوية ومفاهيم ومصطلحات ليست لها دلالة في وجهة نظر القانون، كما أن هناك عيوباً في بناء الأحكام»، ممثلا لذلك بالمادة 3 التي تقول إنه يتعين على الخاضع عند وجود حالة تعارض مصالح أن يفصح عن ذلك وفق النموذج الذي تعده «الهيئة».
.
تعريف المُبلِّغ
ذكر د. أحمد العازمي أنه «في الصياغة الحالية لقانون تعارض المصالح لا نستطيع أن نعرف المقصود بالمبلغ وفقا لهذا التعريف، فمن المفترض أن المُبلغ هو الشخص الذي يقوم بالإبلاغ عن تعارض المصالح ولكن في غياب للصياغة الدقيقة يتطلب المشروع حاجة إلى إعادة النظر، كما أن وضع المشروع في حالته الراهنة يبدو لي أن القائمين عليه فقط حرصوا على وضع حيثيات حكم المحكمة الدستورية أمام أعينهم».