أدلى الناخبون في سريلانكا بأصواتهم، أمس، لاختيار رئيس جديد في انتخابات تعد بمنزلة استفتاء على خطة التقشف التي أقرها صندوق النقد الدولي بعد الأزمة المالية غير المسبوقة التي عصفت بهذه الدولة، التي تمثل نقطة تجاذب والتقاء بين الصين والهند، ويمنحها موقعها الجغرافي في منتصف الطرق البحرية بالمحيط الهندي أهمية استراتيجية مضاعفة.

وأجريت آخر انتخابات في نوفمبر 2019، عندما انتخب غوتابايا راجاباكسا رئيسا للبلاد. لكن راجاباكسا اضطر إلى الفرار من البلاد والاستقالة من منصبه في يوليو 2022، بعد أن خرج عشرات الآلاف من الأشخاص إلى الشوارع احتجاجا على تعرض البلاد لانهيار اقتصاد واقتحموا قصره الرئاسي، عقب ذلك تم انتخاب رانيل ويكريميسينغه (75 عاما) رئيساً في تصويت جرى بالبرلمان.

ويخوض ويكريميسينغه هو شخصية سياسية مخضرمة تولى رئاسة الوزراء 6 مرات، معركة صعبة من أجل البقاء في منصبه لمواصلة الإجراءات التي أدت إلى استقرار الاقتصاد في البلاد وأنهت أشهراً من نقص الغذاء والوقود والأدوية.

Ad

وتمكّن الرئيس الحالي خلال العامين اللذين أمضاهما في منصبه من إعادة الهدوء إلى الشارع بعد الاضطرابات الشعبية التي أثارتها الأزمة الاقتصادية عام 2022.

وقال ويكريميسينغه بعد الإدلاء بصوته صباحا «أخرجت هذا البلد من الإفلاس» مضيفا «سأعطي سريلانكا الآن اقتصادا متطورا ونظاما اجتماعيا متطورا ونظاما سياسيا متطورا».

لكن زيادات الضرائب التي فرضها ويكريميسينغه، وفقاً لشروط خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي البالغة 2.9 مليار دولار، تركت ملايين السريلانكيين يكافحون من أجل العيش.

ماركسي متشدد

ويواجه ويكريميسينغه منافسة شديدة من مرشحين اثنين يعدان أوفر حظا، أولهما أنورا كومارا ديساناياكا، وهو زعيم حزب «جاناتا فيموكتي بيرامونا» أحد الأحزاب الماركسية التي يحفل تاريخها بالعنف. وقاد الحزب انتفاضتين فاشلتين في السبعينيات والثمانينيات أدت إلى مقتل أكثر من 80 ألف شخص. ونال الحزب أقل من 4 في المئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية السابقة. غير أن الأزمة في سريلانكا أعطت دفعا وشعبية لديساناياكا البالغ 55 عاما بناء على شعاره بتغيير الثقافة السياسية «الفاسدة» في الجزيرة.

والمنافس القوي الثاني هو ساجيت بريماداسا، الزعيم الذي قاد المعارضة خلال عهد راجاباكسا ونجل رئيس أسبق اغتاله متمردو التاميل عام 1993 خلال الحرب الأهلية التي استمرت عقودا في البلاد. وتعهد بريماداسا مكافحة الفساد. وإلى جانب ديساناياكا وعد بإعادة التفاوض على شروط خطة إنقاذ صندوق النقد الدولي.

وأمس الأول قال الرئيس إن إعادة فتح المحادثات مع صندوق النقد الدولي، بشأن برنامج إنقاذ مالي، من شأنها أن تشكل تهديدا كبيرا لاقتصاد الدولة الجزيرة، ليرد بذلك الرئيس على خصومه الذين تعهدوا بفتح حوار جديد مع الصندوق.

ويتنافس في هذه الانتخابات 39 شخصا بينهم مرشح عمره 79 توفي الشهر الماضي جراء أزمة قلبية لكنه لايزال على لائحة المرشحين.

الأفيال البرية

ويحق لأكثر من 17 مليون ناخب الادلاء بأصواتهم، وقد نشرت السلطات أكثر من 63 ألف شرطي لحماية مراكز الاقتراع ومراكز الفرز. وقال الناطق باسم الشرطة نهال تالدوا «لدينا أيضا فرق لمكافحة الشعب متأهبة في حال وقوع أي مشكلات، لكن حتى الآن كل شيء يجري بسلام». وأضاف «في بعض المناطق اضطررنا إلى نشر الشرطة لضمان حماية مراكز الاقتراع من الحيوانات البرية خصوصا الأفيال البرية».

وتجمع عشرات الأشخاص أمام مراكز اقتراع في كولومبو قبل أن فتحت أبوابها وسط وجود أمني كثيف في أنحاء العاصمة. ومن المتوقع أن تعلن النتيجة اليوم الأحد، لكن النتيجة الرسمية قد تتأخر إذا كانت المنافسة متقاربة. ويشير مراقبون وبعض استطلاعات الرأي إلى أن الانتخابات يمكن أن تتجه نحو جولة إعادة.

وأغلقت المدارس الجمعة كي تحوَّل إلى مراكز اقتراع ينتشر فيها أكثر من 200 ألف موظف رسمي يشرفون على العملية الانتخابية.

الكثير على المحك

هيمنت قضايا الاقتصاد على الحملة الانتخابية التي استمرت 8 أسابيع، وسط غضب شعبي إزاء الصعوبات المعيشية المستمرة منذ بلوغ الأزمة ذروتها قبل عامين.

وبحسب الأرقام الرسمية تضاعف معدل الفقر في سريلانكا مرتين مسجلا 25 في المئة بين عامَي 2021 و2022، ليُضيف أكثر من 2.5 مليون شخص إلى عدد الذين يعيشون على أقل من 3.65 دولارات في اليوم.

ويحذّر الخبراء من أن اقتصاد سريلانكا لايزال ضعيفا إذ لم يبدأ استئناف سداد الديون الخارجية للجزيرة البالغة 46 مليار دولار منذ تخلف الحكومة عن السداد في 2022.

وقال صندوق النقد الدولي إن الإصلاحات التي أقرتها حكومة ويكريميسينغه بدأت تؤتي ثمارها، مع عودة النمو ببطء.

وقالت جولي كوزاك من صندوق النقد الدولي لصحافيين في واشنطن الأسبوع الماضي «تم تحقيق الكثير من التقدم. لكن البلاد لم تخرج من الأزمة بعد».

وكتب غاريث ليذر، الخبير الاقتصادي البارز لشؤون آسيا في كابيتال ايكونوميكس، في مذكرة «لقد حققت سريلانكا بتعاف مطرد، وإن لم يكن مذهلا، من أزمة عام 2022، ومع ذلك قد يتعرض هذا التقدم للخطر، اعتمادا على نتائج الانتخابات الرئاسية».