«أنَا دُونَ هَذا، وَفَوْقَ ما في نَفْسِكَ»، عبارة قالها سيدنا علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، لرجل مدحه نفاقاً. إنها من أبلغ ما قاله خليفة المسلمين الرابع مجسّداً كل ما فيه من حكمة وتواضع، وفهمه لما في نفس ذلك المنافق الذي مدحه رياءً.

«أنَا دُونَ هَذا، وَفَوْقَ ما في نَفْسِكَ»، عبارة يجب أن توضع على صدر مكتب كل قيادي وصاحب سلطة، عبارة يجب أن تكون نصيحة، بل نبراساً في التواضع لكل إنسان مهما كان موقعه، وخصوصاً لمن وصل إلى مراتب عليا، أو لمن تيسّرت بين يديه سلطة، فوجب عليه حُسن استخدامها.

Ad

هؤلاء على وجه الخصوص أكثر الناس تعرضّاً لخديعة حاشية المنافقين بكلامهم المعسول، وما أكثر مَن يصابون بالكِبر حتى يظنوا أنهم فوق غيرهم من البشر شرفاً وعلماً وحكمةً، فقد أصبحوا ملء السمع والبصر بعد أن كانوا مغمورين أو من حثالة القوم، فيصيبهم الغرور ويتعاملون مع غيرهم بعنجهية، إنها شخصيات حقيقية موجودة بيننا، ونحن مجبرون على التعايش معها.

فالمنافقون دون غيرهم خلقاً ونزاهةً، حتى أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال فيهم، محذراً منهم: «إنّ أخوَف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان»، أي متزلف معسول الكلام، فما أكثر مَن يتصدق رياءً لكي يُظهر للناس تقواه، وما أكثر من ينادي بالإصلاح وهو الأكثر فساداً وإفساداً، وما أكثر من وعد فأخلف وغدر.

المنافقون من أشرّ خلق الله، فالمنافق حقيقة هو مُراءٍ بلا أخلاقٍ، راشٍ لذوي السلطة، وذو السلطة والجاه يصبح مرتشياً له متى ما صدّقه ثمّ انقاد له، والمنافق مُراءٍ كذّاب أشر، إنه مفسد اجتماعي في الأرض، مثله مثل المزوّر والسارق.

المنافق هو المرائي الذي يُظهر الصلاح والتقوى لأجل أن يكسب بهما ثقة الناس بنفسٍ تنطوي على سوء نيّة وفساد، وقد وردت في القرآن الكريم آيات تُحذّر من الرياء والنفاق، ومنها: «... يراءُونَ النَّاسَ»، «... وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ».

المنافقون مفسدون في الأرض، أمّا الأسوأ منهم فهم مُحدثو النعمة، ففي غفلة من الزمن تغيّرت حالهم، فتجّمع حولهم المنافقون والمراؤون كالذباب ليزيدوهم فساداً على فساد، بلا حدود وبلا وازع ديني أو أخلاقي، بعد أن نُزعت من قلوبهم النزاهة والاستقامة، وما أكثرهم.

حفظ الله بلدنا منهم، وأبعدهم عن ديارنا، فقد تكاثروا وتزايدوا كالوباء حتى تغلغلوا في معظم مفاصلها.