حلم لن يتحقق أبداً في أرض تسويف الحلول وتأجيل المواجهات، مسألة يمكن حلّها وليست معضلة تستعصي عن أي حل عقلاني، ولا بُد عندها من انتظار مصادفة القدر والمكتوب. يمكن إيجاد الحلول إذا وجدت العزيمة التي تريد الإنجاز وخدمة الدولة وليس التألق على صفحات الجرائد بأخبارها النمطية التي يجتّرها القارئ يومياً، أو أن يبقى المسؤول رهينة انتظار كلمات المديح والتبجيل الريائية بـ «إكس» و«فيسبوك».

كارثة المرور، مصيبة المرور، حرب الشوارع، أليس لها من حل؟! أو حتى بأضعف الإيمان محاولة التخفيف من وقعها، الكلام ليس عن زحمة الشوارع التي أضحت علب سردين متحركة، فهذا فوق قدرة المسؤولين المباشرين عن المرور، فهي أزمة نظام حكم يخشى فرض ضريبة عالية على شراء أكثر من سيارة للفرد، أو خلق وسائل نقل عامة جيدة، أو منع سيارات النقل الثقيلة المتهالكة التي تسير بأقل من السرعة المفروضة، وتعطل بالتالي حركة انسياب المرور، أو رفع أسعار البنزين بصورة عالية، لربما يخفف رواد التشفط والاستعراضات من التسكع بالشوارع دون معنى غير اجتياز الملل، الحديث هنا هو غياب تطبيق القانون، أي عجز وتكاسل أهل المرور عن تنفيذ القانون.

Ad

ليس المراد أن نطلب ما تعجز عنه وزارة الداخلية وإدارة المرور حين تكون المصائب أكبر منها، كل المطلوب هو تفعيل القوانين بصورة جادة، وليس خلق المزيد من القوانين المنظمة للمرور. كم مرة شاهدتم شباباً يتسابقون نحو هاوية الموت بالخطوط السريعة، بينما تقف سيارة المرور على جانب الطريق وقائدها ربما مشغول بالنقال، أو غير مكترث، فهو يعلم أن العقوبة لن تكون رادعة، وهناك الواسطة والمحسوبية في «الداخلية» التي تذهب بأي جهد جدّي في أدراج الرياح.

ثمانية حوادث سير كل ساعة، بمعدل 193.3 حادثاً كل يوم، «نزف طرقات... ووقوع 5800 حادث سير شهرياً في البلاد... أودت بحياة 135 مواطناً ومقيماً، أي بمعدل 27 ضحية كل شهر» القبس (11 يونيو 2023).

«فكونا» من الكلام الفاضي عن التوعية المرورية والمخالفات غير المباشرة التي تضبطها الكاميرات والركون عليها لضبط المخالفين... كلام لا يقدّم ولا يؤخر... مجرد ثرثرة للاستهلاك الإعلامي، فإذا لم يتم ضبط المخالف فوراً بملاحقته بالسيارة أو الموتوسيكلات السريعة، ومصادرة الإجازة والسيارة حسب ما يمليه القانون، فلا جدوى غير ذلك.

الله يرحم أيام اللواء عبدالفتاح العلي، مدير المرور السابق، بقسوته وحياده، لم يحل كارثة المرور، لكنّه استطاع بجدارة أن يخفف منها، وأشعرنا بالراحة والإنصاف تجاه مخابيل ومجرمي الشوارع. ويا ليت وزارة الداخلية، التي تحمست في قضايا تزوير الجنسية وسحبها مع عدم اتفاقنا على نهجها في هذا، أن تتفاعل مع كارثة المرور وحالة القرف والرعب التي نحيا بها عندما نحرّك ماكينة السيارة ونتجه نحو لعبة الموت بشوارع الجحيم.