«لاَ أُعَلِّقُ الجُلْجُلَ في عُنُقي»، مثل عربي قديم يقصد منه حرفياً «أني لا أشهر نفسي ولا أخاطر بها بين القوم، فإنه لمن الحمق أن أخاطر بها مهما كان الأمر»، ووراء هذا المثل حكاية.

فقد قيل إنه كان من بين بني عجل رجل يحمَّقُ، وكان هناك أسد يجوب بيوت قومه ويفترس دوابهم، الناقة بعد الناقة، والبعير بعد البعير، فقالت بنوعجل: كيف لنا بهذا الأَسد، فقد أضَرّ بأموالنا وحلالنا؟، فقال الذي يُحمَّقُ فيهم: علّقوا في عنق هذا الأسد جُلْجُلاً، حتى إذا جاء على حين غفلةٍ منكم وغِرَّةٍ تحرك الجلجل في عُنقه فنذرتُمْ به، فقال أحدهم هذا القول الذي ذهب مثلاً: «لاَ أُعَلِّقُ الجُلْجُلَ في عُنُقي»، ثم قال: يرعد مِنْ فرق هذا الفحل مَنْ رآه من هَوْلِهِ، وإبعاده إلا من كان بمنزلة هذا الأحمق، فإنه لا يخافه لعدم عقله.

Ad

وقيل في ذلك المثل هذا البيت:

يُرْعِدُ إذْ يَرْعُدُ قَلْبُ الأعزلِ

إلاَ امْرَأ يَعْقُدُ خَيْطَ الجُلْجُلِ

فمن يريد أن يعلق الجلجل أو الجرس في عنق أسد فهو أحمق وليس فيه شيء من الشجاعة والإقدام، بل هو تهور وحمق، وهو كمن يرمي بنفسه في اليم يريد أن ينقذ غريقاً وهو لا يعرف كيف يسبح، إنها حماقة وليست بشجاعة.

فهناك شعرةٌ تفصل بين الشجاعة والتهور، فالمتهور أحمق يلقي بنفسه وبقومه إلى التهلكة وقتل نفوسهم، وفي قول الله تعالى: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ»، وقوله: «وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»، أبلغ دليل على ذلك.

الطريف أن هناك قصة تتعارض في مراميها مع مثلنا «لاَ أُعَلِّقُ الجُلْجُلَ في عُنُقي»، وهي قصة «من يعلق الجرس» الخيالية، المستقاة من إحدى حكايات «إيسوبّ» الإغريقي التي أبدع فيها، حتى أصبحت حكايات تتناقل على مر العصور.

فهي باختصار لمن نسيها تدور حول مجموعة من الفئران كانت تعيش آمنة، تسرح وتمرح في مطبخ كبير إلى أن عكّر صفو عيشها ظهور هر ضخم، فاجتمع كبار الفئران وفكّروا وتداولوا واهتدوا إلى حل ينبههم إلى قدوم غريمهم، وهو أن يعلقوا جرساً في رقبته، حتى يحذّرهم رنينه متى ما أتاهم «متختلاً»، ولكنّ السؤال الذي بقي معلّقاً: من الذي سيعلّق الجرس في رقبته؟

هذه القصة كان لها مغزى مختلف، أهم ما فيه أن هناك أموراً حياتية واجتماعية كثيرة تحتاج إلى شجاع وحازم يضع إصبعه على مواطن الخلل، ويُعلّق الجرس في رقبة الخطيئة، فيتصدى للفساد، والتزوير، والاستهتار، والتسيب.

كفانا الله شر الحمقى والمتهورين، وما أكثرهم بيننا! فويل لأمة كثر فيها حمقى وُسدَت إليهم أمور ومصالح العامة، وطوبى لأمة حباها الله بمن يصلح حالها.