أوروبا محاطة بحربين بشعتين تجري في كلتيهما مذابح جماعية (فغزة في نهاية المطاف على بعد 578 كيلومترا فقط من قبرص)، والحربان يشنهما متعصبون يمينيون لديهم نوايا إمبريالية أو استعمارية، وقد أصبحت الحرب بالنسبة لأولئك مرتبطة بشكل لا ينفصم بالتشبث بالسلطة السياسية، وإحدى الحربين تتعلق بالأمن الأوروبي بشكل مباشر، والأخرى فرصة لاستعراض صوت أوروبا في العالم، وفي كلتا الحربين يجب على الاتحاد الأوروبي أن يبدأ التصرف بما يليق بقوة عظمى في السياسة الخارجية لا محض كيان مستقل عن الولايات المتحدة، وإنما بوصفه قادرا أيضا على الضغط عليها.

من اللافت للنظر مدى التشابه بين صور غزة وماريوبول، فكلتاهما تعرضتا للقصف والتدمير، كلتاهما كسيرة شأن جثث آلاف المدنيين القتلى تحت القنابل الروسية في مكان، والقنابل الإسرائيلية في مكان آخر. وكل منهما لديها رعبها الخاص، ففي أوكرانيا يتمثل الرعب بجحافل الأطفال المختطفين والمنقولين، وفي غزة، يتمثل في مواجهة ما يقارب مليوني شخص خطر الجوع الجماعي المتفشي الآن، فهل يرى زعماء أوروبا هذه التماثلات؟ وهل يرون أن التحدي المشترك في كلتيهما يتلخص في النهج المتناقض الذي تتبناه الولايات المتحدة؟ وهل هم مستعدون للاحتمال الحقيقي بأن ترامب قد يفوز في نوفمبر، فيصبح التناقض شؤما ببساطة؟

Ad

في المرحلة الأولى من حرب أوكرانيا، كانت الولايات المتحدة تفعل الصواب، ومع تراجع دعمها الآن، اضطر الاتحاد الأوروبي إلى التغلب على عناد فيكتور أوربان (واعتراضه على المساعدات) وإيجاد حلول بعيدة المدى لتعويض الغياب الأميركي، ومن المفارقات أن الاتحاد الأوروبي في حال كونه أقل اعتمادا على الولايات المتحدة في دعم أوكرانيا فإن الاتحاد الأكثر حرية في الضغط على الولايات المتحدة في موضع آخر.

في غزة، تستمر الولايات المتحدة في تمكين شيء متزايد البشاعة، ولكن، كما هي الحال مع أوكرانيا، بوسع الاتحاد الأوروبي أن يتصرف بمفرده، وبطرق قد تجبر إدارة بايدن على تغيير استراتيجية فشلت تماما في حماية أرواح المدنيين (ثم إنها منافية للمنطق في الحسابات الانتخابية، ففي نهاية المطاف لا يخفي السياسيون العنصريون الأشد تطرفا في إسرائيل رغبتهم في رؤية ترامب فائزا مطلِقا يدهم أكثر مما هي الآن). وفيما يتعلق بروسيا، تظل الضغوط الدولية مركزة على الحرب في أوكرانيا ذاتها التي لم يكن لروسيا فيهاـ خلافا لإسرائيلـ أي منطق لزعم حق الدفاع عن نفسها، فلا يشكك غير قليلين في شرعية وجودها أو يطالبون بتحرير أراضيها المحتلة، ولكن إسرائيل- خلافا للكرملين- تزعم لنفسها مكانة بوصفها دولة ديموقراطية ليبرالية وحليفا للغرب رغم أنها في ظل بنيامين نتنياهو تسارع في الاتجاه المعاكس تماما. صحيح أن حماس اختارت المعاناة الفلسطينية بدلا من إطلاق سراح كل الرهائن المتبقين، لكن الحكومة الإسرائيلية أيضا كانت لها خياراتها الخاصة في الرد على ذلك، فطالبت سكان غزة بالفرار ثم قصفت الأماكن التي يفرون إليها، وشنّت غارات جوية أدت إلى مقتل مدنيين أكبر بكثير من الولايات المتحدة عندما استولت على الرقة في سورية من داعش، فقتلت أطفالا وأطباء وصحافيين بمعدل أسرع مما شهده أي صراع آخر في القرن الحادي والعشرين، ومنعت جميع المساعدات إلا القليل برغم عدم وجود أي شيء في الأساس.

برغم وقف إطلاق النار المؤقت المعلق، أشار نتنياهو إلى أنه سيواصل الحرب في رفح، حيث يتجمع 1.5 مليون لاجئ متضرر في بضعة عشرات من الكيلومترات المربعة، وأعلن صراحة خطته للسيطرة الدائمة على غزة على المدى الطويل، وهو ما لا يتوافق مع أي نوع من السلام الدائم أو العدالة الحقيقية، ويتعين على الاتحاد الأوروبي الآن أن يضع كل ما لديه من نفوذ على الطاولة علنا من أجل منعه ومن أجل إنهاء الحرب. (أو، في ظل احتمال غياب الإجماع، يتعين على دول أوروبية منفردة أن تعمل بالتنسيق في ما بينها).

ولكن ما الذي يمكن أن تفعله؟ ما أوراق القوة التي تمتلكها أوروبا ولا تمتلكها الولايات المتحدة؟ أخشى أنها محدودة حتى لو أن الضغط تنامى منذ واقعة الأسبوع الماضي حينما لقي ما لا يقل عن 110 فلسطينيين مصرعهم وهم في انتظار قافلة مساعدات، ولكن من خلال اتخاذ موقف أقوى ضد الحرب وإبراز العواقب الملموسة، قد يدفع الاتحاد الأوروبي بايدن إلى حيث لا يبقى له من خيار إلا أن يتجاوز محض إدانة نتنياهو سرا أو يسقط مساعدات غذائية طارئة من الجو على أهل غزة.

أولا التجارة، وهذا مجال طبيعي أن يتحرك الاتحاد الأوروبي فيه، لأنه أكبر شريك تجاري لإسرائيل، والمسؤول عن قرابة 30% من التجارة الدولية لها، ففي الشهر الماضي، طلبت أيرلندا وإسبانيا من مفوضية الاتحاد الأوروبي مراجعة وربما تعليق اتفاقية التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل في حال انتهاك إسرائيل لالتزامات حقوق الإنسان التي تنص عليها الاتفاقية، وفي نوفمبر أكد الاتحاد الأوروبي خط أنابيب إيستميد المخصص لنقل الغاز الطبيعي من حقل اللوثيان المشترك بين إسرائيل وقبرص إلى القارة، بوصفه مشروع بنية أساسية ذا أولوية، دعكم من حالة الأولوية، لا بد من إلغائه. ومن بعد، بوسع الاتحاد الأوروبي أن يفرض مثل عقوبات وحظر السفر على مستوطني الضفة الغربية الممارسين للعنف مثلما قننت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا ذلك أخيرا، ويجب أن تمضي قدما، بأن تعكس حكم محكمة العدل الدولية بأن «إسرائيل لا بد أن تتخذ جميع الإجراءات المتاحة لها لتمنع وتعاقب التحريض المباشر العلني على ارتكاب الإبادة الجماعية» لتفرض عقوبات فردية على الساسة من أمثال إيتمار بن غيفير وبتساليل سموتريتش وغيرهما، ومنهم نتنياهو نفسه، ممن يبدو أنهم ارتكبوا بالفعل مثل هذا التوجيه بالإبادة الجماعية أو التطهير العرقي.

وأخيرا، بوسع الاتحاد الأوروبي أن يوضح أنه سيعترف من طرف واحد بدولة فلسطينية قائمة على حدود عام 1967 مع النص على تبادل أراض مستقبلي (ولا يوجد نقص في المقترحات المتعلقة بقضية الحدود)، وقد اعترف الاتحاد الأوروبي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير منذ عام 1980، وقد حان الوقت لأن يتصرف بموجب هذا المبدأ. ليس من المحتمل بالطبع أن تغير أوروبا مسار الأمور بمفردها، لكن وضع هذه العواقب والأفعال على الطاولة من شأنه أن يمثل حرجا لبايدن، وبخاصة في ضوء النقطة الهشة التي يجد نفسه فيها في ائتلافه الانتخابي، فسيحاكمه ذلك الائتلاف بمزيد من القسوة في حال إظهار حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين أن من الممكن التحرك ويظل هو متقاعسا عن عمل أي شيء. واقع الأمر أنه يحتمل أن يكون التهديد الجاد في السر كافيا لأن يجعل البيت الأبيض يستغل قوته الخاصة للسيطرة على نتنياهو فتكون تلك في السياسة الخارجية نسخة من خطة «مهما كلف الأمر» التي اتبعت مع ماريو دراغي في 2012 لإنقاذ اليورو. وقد تنفذ مثل هذه الإشارات الواضحة من أوروبا إلى الشعب الإسرائيلي الذي يزداد انكفاء على نفسه، لكنه على أقل تقدير يزداد غضبا على حكومته، فلعل أثر الدومينو أن يزعزع ائتلاف نتنياهو الحاكم ويفضي إلى سقوطه.

وإن الرأي السائد هو أن الاتحاد الأوروبي ينضج في الأزمات، ولقد ثبتت صحة ذلك الرأي مرارا في العقد الراهن، ونحن الآن في لحظة طارئة يجب أن ينضج فيها الاتحاد الأوروبي من جديد.

* ألكسندر هيرست