في غمرة الاحتفالات الوطنية، وعلى أعتاب مهرجان الاعتداء على الآخرين بحجة الوطنية، ومع ما تتلاقفه الساحة الاجتماعية والسياسية من تمييز بغيض بين الفئات بحسب الجنسية ومادة الجنسية والجنس والمذهب، أستعير ما قاله الساخر الأميركي الشهير جورج كارلين، في دقيقة ونصف، ناسفاً مفهوم الفخر بالأنساب والانتساب الجيني، وأورد أدناه ما قاله مضموناً مع قليل من التلطيف.

«يجب أن يتم تحذير الأطفال من الهراء الذي ينتظرهم في حياتهم، الهراء الذي يجب أن يتم اكتشافه وتحاشيه، هذا أفضل شيء نقدمه لهم وللمستقبل، لم يحذّرني أحد للأسف لأكتشف الأمر بنفسي، الكثير من المسلّمات التي يعتقد بها العامة هي ليست كذلك بالنسبة لي لما يعتريها من أخطاء، أعطيكم مثلاً: رأيت ملصقاً على سيارة أحد الشباب بشعار (فخور بكوني أميركياً)، وقلت لنفسي: ما هذا الهراء؟! يجب عليّ في البدء إخباركم بأصولي الأيرلندية المكتملة الأركان، وقد كنت عند طفولتي ألاحظ بيع ملصقات تحمل شعار (فخور بكوني أيرلندياً) في الأسواق، وفي نفس الوقت وفي مكان آخر كان شعار (فخور بكوني إيطالياً)، ثم توالت حالات وحملات الفخر إلى أن جاءت إلى ذوي البشرة السمراء والبورتاريكيين وغيرهم، لم أستطع أبداً استيعاب حالة الفخر بالجنسية أو الإثنية، لأنه من البديهيات ضرورة ارتباط الفخر بشيء تقوم أنت شخصياً بتحقيقه، الفخر ليس وساماً تناله لمجرد مصادفة ميلادك ضمن هذه الفئة أو تلك، أن تكون أيرلندياً ليس بمهارة! إنها مصادفة جينية تافهة، لا يمكنك أن تكون فخوراً بطولك البالغ 180 سنتيمتراً، أو أن تكون فخوراً بجيناتك التي قد تعرّضك أكثر من غيرك لمواجهة سرطان القولون، لماذا حماقة الفخر بشيء ليس لك يد فيه؟ انتبه، إن كنت سعيداً بذلك فهذا شأن آخر، كن سعيداً وعبّر عن ذلك، ضع على سيارتك ملصق (سعيد بكوني أميركياً)».

Ad

عودةً إلى الكويت... علينا أن ننتبه حتى لا ننزلق في فخ الفخر الكاذب أو المتعالي على الآخرين، علينا أن نستحضر أعيادنا الوطنية بمسؤولية وباحترام شديدين لوطننا وللآخرين ولأنفسنا، وأن تكون هذه المناسبة فرصة للتفكير بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، وأن تكون فرصة للانضواء تحت لواء الوطن لا غيره.

أذكر لكم حادثة شهدتها العام الماضي بتاريخ 25 فبراير، آملاً ألّا تتكرر بأي شكل من الأشكال، كنت موجوداً في منطقة العبدلي، واضطررت للذهاب عصراً إلى محطة الوقود لتزويد سيارتي بما ينقصها، لأجد نفسي محبوساً فيما يسمّونه مسيرة وطنية قرابة الساعتين بما احتوته من مشاهد مخجلة متمثلة في الاعتداء على الآخرين، محزن عدم اقتصار تلك الممارسات على الأطفال الذين كانوا برفقة أولياء أمورهم (ونعم التربية!)، بل امتدادها لشباب وفتيات تجاوزت أعمارهم الثامنة عشرة، على ما يبدو، بخلاف قيام بعض القُصّر بقيادة السيارات، وكان محزناً بشكل أكبر وقوع تلك الممارسات على مرأى رجال الشرطة المنشغلين بالتدخين وشرب الشاي، ادّخرت غضبي إلى الأخير عندما شاهدت البعض وهم يركبون الخيول ويرفعون أعلام قبيلتهم، عوضاً عن علَم الكويت، في مشهد استفزازي، ذهبت إلى رجال الشرطة مستفسراً عن عدم تدخُّلهم لوقف هذا السلوك المشين، فأجابني العسكري قائلاً: شفيها؟ خلّهم يستانسون!