لماذا يصمت المجتمع الدولي عند التعامل مع القضية الفلسطينية بالرغم مما يجري من إبادة لشعب كامل بمؤسساته لأجل الصهاينة الطارئين على المجتمع العربي الإسلامي الشرق أوسطي؟

للإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نرجع في التاريخ إلى فترة الهيمنة الغربية وبالتحديد بريطانيا العظمى، الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، والتي قادت الثورة الصناعية وأصبحت هي وقودها من خلال استعمارها للدول بحثاً عن الموارد الطبيعية لضمان استمرار تفوقها الصناعي وهيمنتها على مصالح الدول والشعوب، فالثورة الصناعية البريطانية امتدت من 1770 إلى 1830، وهو ما مكّن بريطانيا من تحقيق تفوق هائل جعلها القوة الاقتصادية والعسكرية الأولى في العالم إلى أواسط القرن العشرين.

Ad

هذا التفوق يدل على ارتباط الاستعمار بالثورة الصناعية، وهو ما صرّح به الكاتب الفرنسي جولز فيري في عام 1890: «السياسة الاستعمارية هي ابنة السياسة الصناعية»، وقد أدت الثورة الصناعية الثانية في القرن التاسع عشر إلى ما اُصطلح على تسميته بعصر الإمبريالية الجديدة، حيث تسارعت وتيرة الاستعمار، وتدافعت نحو إفريقيا بمشاركة دول استعمارية أخرى مثل بلجيكا وألمانيا وإيطاليا.

هذا التدافع الاستعماري للسيطرة على مصادر الطاقة والوقود ومختلف الثروات الطبيعية كانت تواجهها مقاومة من بعض الشعوب التي قدمت شهداء وتوحدت فيما بينها لإيقاف الزحف القادم من الغرب الصناعي وتأخيره إلى حد ما، لكن من دون جدوى أمام المؤامرات التي حيكت لتفريق الأمم وتشتيتها حتى يسود الاستعمار، ويستوطن ويُحكم قبضته على الموارد الطبيعية والبشرية، لكن المستعمرين عرفوا أن هيمنتهم لن تدوم، فبحثوا عن كيفية إقامة حاجز دائم يحول دون اتحاد الشعوب المضطهدة، فعقدت بريطانيا مؤتمرات استعمارية إمبريالية في بداية القرن العشرين (1904-1907) شارك فيها بجانب الساسة علماء تاريخ واجتماع واقتصاد وزراعة وبترول ومعادن، اتفقوا على تقاسم موارد الدول، وزرع كيان يمثل حاجزا بشريا وغريبا على الجسر البري الذي يربط أوروبا بالعالم القديم، ويربطهما معاً بالبحر الأبيض المتوسط وعلى مقربة من قناة السويس بحيث يشكل قوة عدوة لشعوب المنطقة وصديقة للدول الأوروبية ومصالحها! وهو ما صرح به رئيس الوزراء البريطاني هنري كامبل بنرمان في عام 1907:

«يتعين علينا أن نضع في هذه المنطقة وعلى مقربة من قناة السويس قوة معادية لأهل البلد وصديقة للدول الأوروبية»... هذا التوجه فتح المجال للحركة الصهيونية لتضع نفسها في خدمة التاج البريطاني آنذاك، لتكون هي القوة الحاجزة المانعة التي تتطلع لها سائر الدول الاستعمارية.

فالصهاينة دعوا لإيجاد دولة حاجزة في فلسطين، وروجوا على أنهم هم العنصر الوحيد القادر على إقامتها، وهذا ما أكده مؤسس الحركة الصهيونية ثيودور هرتزل في لقائه مع رئاسة الحكومة البريطانية: «إن قاعدتنا يجب أن تكون في فلسطين التي ستكون دولة حاجزة تؤمن المصالح البريطانية»، كانت الحركة الصهيونية تدرك أن نجاح مشروعها لن يتم إلا برعاية وحماية دولة عظمى وفي ضوء مصالحها، فاقتنعت بريطانيا بدور الكيان الصهيوني، فتولت بنفسها رعاية ونمو وتطور الكيان الصهيوني في فلسطين وإنشاء دولته، فأصدرت وعد بلفور في 1917، وبدأت بقمع إرادة الشعب الفلسطيني وثوراته، وحرصت على ألا تقوم لهم قائمة حتى عام 1948 بعد أن اكتملت البنية التحتية العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية للكيان الصهيوني.

وقامت الولايات المتحدة الأميركية بتولي مهمة رعاية ونمو الكيان الصهيوني بعد أفول نجم بريطانيا العظمى فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وما زال الدعم قائماً للصهاينة من دول الثورة الصناعية الاستعمارية (تحت مسميات جديدة G7) الراغبة في تدفق الموارد الطبيعية والمالية باتجاه دولهم دون انقطاع حتى لو تطلب ذلك إبادة شعب كامل بأطفاله ونسائه وشبابه وشيوخه على يد كيان غاصب نشأ في قلب العالم العربي والإسلامي برعايتهم ودعمهم حتى يؤمّن لهم استدامة سياسات الثورة الصناعية الاستعمارية.