في 31 يناير 2023 تمرّ الذكرى السنوية الثالثة على نفاذ اتفاقية «بريكست» التي انسحبت بموجبها المملكة المتحدة - بريطانيا العظمى، ويلز، أسكتلندا وايرلندا الشمالية- من الاتحاد الأوروبي، بعد انقسام حاد شهده المجتمع البريطاني حسمه استفتاء شعبي كانت نتيجته بنسبة 52% لصالح الذين يرون في الانفصال فرصة لاسترجاع الاستقلال بالقرار الوطني واستعادة السيطرة على الحدود وتقليص الهجرة غير الشرعية، والتخلص من الأعباء المالية الكبيرة التي كانت تلتزم بها المملكة المتحدة كثاني أكبر ممول لميزانية الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا، بواقع 13 مليار جنيه إسترليني.

وبهذا الانفصال تخلّت بريطانيا طوعاً عن كل ما كانت تتمتع به من امتيازات في الفضاء الأوروبي، ومن أبرزها بقاء الجنيه الإسترليني عملة دولية الى جانب الدولار واليورو، وحصول شركاتها على النصيب الأكبر من الاستثمارات الأوروبية المباشرة، وتمتع منتجاتها بكل التسهيلات والإعفاءات الجمركية التي جعلت منها منافساً قوياً في كل دول الاتحاد الأوروبي، ناهيك عن شغل أكثر من نصف مليون وظيفة من قبل البريطانيين الذين تمتعوا بنوع من التمييز الإيجابي المرتبط بسمة «الملكية» التي يلصقها الوجدان الأوروبي تلقائياً بكل ما هو آت من المملكة المتحدة، إضافة الى اعتبار بريطانيا والبريطانيين صلة وصل فاعلة بين أوروبا الغربية والجانب الأميركي من المحيط الأطلسي.

Ad

وفي المحصّلة لم تكن نتائج الانفصال- ولاسيما الاقتصادية- على قدر الطموحات، فساد عدم اليقين وتذبذبت القناعات بين واجب الانتظار فترة كافية للحكم الموضوعي على اتفاقية الانفصال، وبين القراءة الدقيقة للواقع الذي يكشف عن تراجع الاقتصاد البريطاني بنسبة 5.5% عن الحجم الذي كان يمكن أن يصبح عليه لو بقيت المملكة المتحدة ضمن دول الاتحاد، الأمر الذي يعزز من صحته تنامي الركود وتباطؤ النمو وتراجع عائدات الخزانة البريطانية، وتبني سياسات الزيادة الضريبية، وتضاعف الاقتراض الحكومي عاماً بعد عام بنسب لافتة ومقلقة! في الواقع رأى البعض أن النتائج الاقتصادية السلبية كانت كافية للحكم على قرار الانفصال بالسلبية، في حين يرى جانب آخر أنه من سوء الحظ البريطاني تزامن «البريكست» مع جائحة كورونا التي طالت آثارها القاتلة والمنهكة اقتصادات كل دول العالم بما في ذلك الاقتصاد البريطاني الذي انكمش في عام 2020 بنسبة 9.9% كنتيجة مباشرة عن تدابير مكافحة الجائحة، ولا سيما أن بريطانيا سجلت أكبر عدد من حالات الوفاة بفعل فيروس كورونا على المستوى الأوروبي، وبلغت وفياتها أحد أعلى نسب الوفيات مقابل عدد السكان في العالم.

أما على الصعيد السياسي، فلا شك أن من النتائج الحتمية لانفصال «بريكست» هي الابتعاد الوجداني للمملكة المتحدة عن القارة العجوز، وعودتها- طوعاً أو بحكم الضرورة- الى حضانة الولايات المتحدة الأميركية، مما يصب في مصلحة الاستراتيجية الأميركية بعيدة المدى التي لا يخدمها وجود اتحاد أوروبي قوي ومنافس، ويفيدها وجود حليف موثوق به في القارة العجوز تجمعه بها المصلحة المشتركة وتتفق معه في وحدة اللغة والتقارب الثقافي، الأمر الذي تؤكده الأرقام حيث سجل العام الفائت ارتفاعاً للصادرات الأميركية إلى بريطانيا بنسبة 10% وزيادة في حجم الاستثمارات بما تخطى عتبة الـ150 مليار دولار.

وفي السياق استعادت الولايات المتحدة الأميركية- ومعها بريطانيا- هيمنتها حلف شمال الأطلسي في الصراع الأوروبي-الروسي، الأمر الذي أريد منه تأكيد دورهما الرئيسي في حماية أوروبا وحاجة دولها الحتمي للتحالف معهما، ولا سيما في الخيارات المصيرية الكبرى، لدرجة اقتناع أصحاب نظرية المؤامرة بوجود يد خفية أميركو-بريطانيا خلف توريط روسيا وأوروبا معاً بحرب استنزاف تعزز قناعة المؤيدين لخروج بريطانيا من المساحة الأوروبية المشتركة.

وهذا أيضاً ما بدا في الالتحاق البريطاني السريع والواضح بالموقف الأميركي الداعم– دون قيد أو شرط- للعدو الصهيوني في حربه على غزّة إثر «طوفان الأقصى»، الأمر الذي تجلّى بزيارة رئيس الوزراء البريطاني الى الكيان الغاصب وما أدلى به من تصريحات واضحة الاتجاه وما اتخذته السلطات البريطانية من تدابير ردعية بحق المتظاهرين الذين حركتهم ويلات العدوان على غزة وأججت غضبهم دماء عشرات آلاف من الشهداء الأطفال والنساء والشيوخ المدنيين.

*** لعله من الصعوبة والتسرع بمكان، الجزم بارتكاب بريطانيا لخطأ بيّن بانفصالها عن الاتحاد الأوروبي، الا أن الثابت من قراءة أرقام الموازنة التي تبنتها الحكومة البريطانيا الحالية أن الاقتصاد البريطاني يعيش حالة مضطربة غير محددة الأفق الزمني وغير واضحة المعالم، وبخاصة أنه أصبح مؤكداً أن الشعب البريطاني يعيش أسوأ تراجع في جودة الحياة منذ الحرب العالمية الثانية، بسبب ارتفاع مستويات التضخم وتزايد نسبة البطالة وارتفاع الأسعار، واضطرار الحكومة الى تبني خطة ضريبية تُدخِل حوالي 3.2 ملايين بريطاني إلى سجلات مصلحة الضرائب، وتُكبِّد 2.5 مليون شخص ضرائب إضافية، وتُخضع حوالي مليوني شخص إضافي لأعلى نسبة من الضرائب! بريطانيا ليست بخير، لكن العالم المشغول بالنزاعات والمشحون بالأزمات ليس بحال أفضل، وكل الاحتمالات قائمة ومتأرجحة بين إيجابية الأمل باستعادة التوازن القريب، وسلبيات احتدام الحروب وتفاقم الانهيارات بما يساهم في اعادة رسم الخريطة السياسية في العالم ويعيد توزيع القوى بين الدول والتكتلات التقليدية والمستجدة.

* كاتب ومستشار قانوني