بعد صراع مع المرض، شيعت الكويت اليوم أحد أصحاب الأقلام الحرة الواعية المستنيرة، الذي ظل يمد قراءه، عبر الصفحة الأخيرة من «الجريدة» طوال أكثر من خمس سنوات، بزاد من الوعي والفكر، ويضع يده على مواطن العلة في جسد الوطن، عبر زاويته «الله بالنور» التي كتب فيها أكثر من 700 مقال، فضلاً عن مسيرة حافلة قبلها في الزميلة «القبس» منذ عام 1991.

رحل الأكاديمي البروفيسور والطبيب أستاذ علم الفسيولوجيا بكلية الطب بجامعة الكويت، التي كان أحد المساهمين الأوائل فيها عند إنشائها منتصف سبعينيات القرن الماضي، والذي استهوته الكتابة فجعل من زاويته منبراً ينادي فيه بمداواة أوجاع الجماهير البسيطة، ومعالجة هموم الكويت.

Ad

ظل الفقيد رحمه الله لصيقاً بهموم الوطن منذ فتحه، إلى جانب عمله الطبي، نافذة إبداعه الكتابي، ليطل منها على قرائه بلغة يومية بسيطة قريبة من الجماهير يمكن وصفها بـ «السهل الممتنع»، حيث غدت مقالته كرصاصة نافذة تتجه إلى الهدف بلا مواربة.

و«الجريدة» التي آلمها هذا المصاب الكبير تبتهل إلى العلي القدير بأن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يلهم آله خاصة ومحبيه وقراءه، الصبر والسلوان... و«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».

وفي تفاصيل الخبر:

بعد صراع مع المرض، ودعت الكويت أمس صاحب الرأي الحر والفكر المستقل والأكاديمي الطبي، فقيدها الزميل ناجي سعود الزيد، إلى مثواه الأخير عن عمر يقارب الثمانين عاماً.

ظل الراحل طوال مسيرته، ككاتب صحافي ذاعت شهرته، وطبيب وأستاذ للطب في جامعة الكويت، منذ ‏مرحلة ما بعد التحرير، أي منذ عام 1991، صوتاً بارزاً بين كتاب الكويت يحظى بالاحترام ‏والمصداقية، مما هيأ له قاعدة جماهيرية واسعة.‏

ينتمي الزيد إلى أسرة «الزيد الطريجي»، من فرع سعود الزيد، والتي قدمت إلى الكويت من ‏الزلفى في نجد، وسكنت منطقة «جبلة»، ويعود نسبها إلى الدواسر.‏

‏ لم تظهر كتاباته إلا في صحيفتين، فتحتا له أبوابهما، «القبس» عام 1991، ومنها إلى «الجريدة» عام 2018، بعد أن اتجهت سفينته لترسو في مرفئها الذي وجد فيه الدفء والتقدير ‏من القائمين عليها.‏

بقي اسمه وزاويته متلازمين مع صديقه الدائم الأستاذ حسن العيسى، وتشاء الأقدار أن ينقطعا فترة من الوقت عن الكتابة ويدخلا المستشفى للعلاج، ليعود كلاهما بعدها إلى استئناف ‏حياته الطبيعية.‏

لم يكن الفقيد من ذلك النوع الذي تستهويه المقابلات الإعلامية والظهور المتكرر أمام الكاميرات، ونادراً ما تعثر له على مقابلة يتحدث فيها عن حياته الخاصة، كل ما كان يتداول بين ‏معارفه عموماً والقراء أنه أستاذ جامعي بروفيسور يلقي المحاضرات على طلبة كلية ‏الطب التي كان أحد المساهمين الأوائل في تأسيسها منتصف ‏السبعينيات بقيادة الدكتور عبدالمحسن العبدالرزاق الذي يعتبر عراب تعليم ‏الطب في الكويت.‏

‏ كانت بينه وبين لندن حالة من العشق المتبادل، وبخلاف دراسته في بريطانيا وتخرجه في ‏إحدى جامعاتها المرموقة بقي على تواصل دائم معها، حيث يقضي إجازاته في بيته ‏المتواضع هناك ومع أصدقائه.‏

وعندما كتب آخر مقال له يوم 14 يونيو 2023 لم يكن يدُر في خلده أن وضعه ‏الصحي المتدهور سيمنعه من معاودة الكلام، فكل الأصدقاء الذين زاروه قالوا ‏جملة واحدة، «ناجي سيعود قريباً لناسه وهموم بلده» التي لم تفارقه منذ أول مقال نشره ‏بجريدة القبس في تاريخ 24/11/1991.

ومن انتقاداته البارزة تلك التي وجهها إلى القائمين على جامعة الكويت الذين ‏تجاهلوا دعوة الأكاديميين لحضور منح رئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر ‏الدكتوراه الفخرية أثناء زيارتها للبلاد.

الراحل على سرير المرض متوسطاً حسن العيسى وعبداللطيف الدعيج

وبالرغم من الانتكاسة الصحية التي تعرض لها في سبتمبر 2023 وخروجه ‏معافى من المستشفى فإن المرض كان أقوى منه، بحيث لم يتركه ليُخرِج ما في ‏جعبته، والذي بقي حبيساً لا يبوح بأسراره لأحد.‏

كان من المتميزين في كتابة المقال، ومن الذين يؤمنون بالسهل الممتنع والابتعاد عن ‏الثرثرة، منتهجا النقد الهادف... رجل قلبه على الكويت، لم تكن لديه أجندات سياسية، بل ‏الأجندة الوحيدة أن يصل صوته إلى من يعنيهم الأمر.‏

لم يجامل برأيه، بل كان يتعمد المواجهة الكاشفة والصريحة، ليس مهماً أن يغضب ‏هذا الوزير أو ذاك الوكيل، بل يمكن القول إنه كان ضمير أهل الكويت وبخاصة فئاتها ‏الصامتة، وهو ما يبرزه التجاوب الذي كان يسمعه من أناس لا يعرفهم ولا يعرفونه، ‏ومن الردود التي تصل إليه عبر الهاتف أو الواتساب وغير ذلك.‏

زاويته ‏«الله بالنور» كانت أشبه بالكشاف الذي يضيء على مكامن الخلل بالدولة وبالظواهر ‏السلبية في المجتمع، لم تخدعه الشعارات البراقة، بل أصابه الشرر من ‏وراء نقده لسمو رئيس الوزراء عام 2008 عندما قضت المحكمة بتغريمه 3 آلاف ‏دينار لتعرضه «لسمو الرئيس» من خلال نشر مقالة له بعنوان «ديموقراطية ‏شعارها الكذب».‏

صاحب زاوية ابتكر لها اسماً يحاكي به زاوية المرحوم محمد مساعد الصالح ‏بعنوان «الله بالخير»، أرادها أن تكون مكملة لـ «بوطلال»، بعد أن جاوره فترة من ‏الزمن على الصفحة الأخيرة بـ «القبس»، وبقيت الزاوية تحمل اسم صاحبها ولم ‏تتعرض للتبديل، حتى عندما انتقل إلى جريدة الجريدة عام 2018، وبمقالة غير ‏عادية أثارت الكثير من الجدل بشأن التحويلات والإيداعات المليونية لعدد من ‏النواب، وبعنوان «البركة في... كبت أمي».‏

‏ نادراً ما تناول موضوعات خارج حدود الكويت، فقد بقيت اهتماماته وعيناه على ‏ما يحدث داخل الديرة وهو القابض على جمرها، يتحسر على الوضع الذي آلت ‏إليه في التعليم والخدمات والعمل النيابي والصحي وغير ذلك، وسؤاله دائماً: لماذا ‏يتقدم الجميع وتبقى الكويت في المؤخرة خصوصاً في التعليم؟

لم تغادره فصاحة اللسان في كل المقالات التي كتبها، ولديه القدرة على تناول ‏موضوعات في غاية الحساسية دون أن يعطي فرصة لأحد أن يأخذ عليه «ممسكاً»، وإذا اقترب من الممنوعات يحاكي نفسه وينهي مقالته بالعبارة التي تتكلم عن ‏نفسها «إكلْ تبن واسكت» بعد أن استعرض القضايا الممنوع عليه أن يكتب عنها، ‏لأنه تجاوز الخطوط الحمراء!‏

والفقيد من ابناء جيل يشار إليهم بأنهم من أصحاب البدلات الافرنجية في حياتهم الوظيفية ‏والعملية، فالصورة التي عرفه بها مجتمعه لم تتبدل إلا في حالات ومناسبات محدودة ‏جداً.‏

‏ عندما يقال عن إحدى الشخصيات الكويتية بأن سمعتها تشبه دشداشتها البيضاء، أي أنها نظيفة ‏اليد والذمة المالية، فهذا أكثر ما ينطبق على المرحوم ناجي سعود الزيد، الذي يشهد له كل من عرفه طوال مسيرته بأنه ذلك الإنسان الراقي في تعامله مع ‏الآخرين، إلى جانب ما كان يحظى به من احترام كبير من الجميع، لاسيما مع مكانته العلمية والفكرية.‏

لم يغب عن بال أصدقائه وزملائه، طوال الفترة الماضية التي كان فيها مريضاً، ذلك السؤال: لماذا لا يكتب ناجي الزيد؟! فبقي على تواصل مع محبيه عبر الرسائل النصية مطمئناً سائليه: «أنا بخير ‏لكني لا أستطيع الكلام بسهولة».‏

الفقيد متصفحاً الذكريات أمام بورتريه لأخيه خالد الزيد

لم يشأ ناجي الزيد أن يغادرنا هكذا فجأة عن عمر يقترب من الثمانين، بل ترك وراءه ما يدل على وقفاته وآرائه كمواطن من خلال ما سطره ‏من مقالات في صحيفتي «القبس» و«الجريدة»، وهذا زاده الذي سيبقى حاضراً ‏وشاهداً.‏

و«الجريدة» التي تتقدم بأحر التعازي إلى أسرته وولديه سعود وفواز وزملائه وقرائه وتعزي نفسها بفقده، تبتهل إلى الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكن صاحب «الله بالنور» فسيح جناته، و«إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».

الزيد ودشتي

رثاء أخي وصديقي ومعلمي المرحوم ناجي الزيد

وتفرُّق الأحباب بعد مودة

صعب فكيف تفرق القرباء

لَو كانَ يُبلِغُك الصَفيحُ رَسائِلي

أَو كانَ يُسمِعُك التُرابُ نِدائي

لَسَمِعت طولَ تَأَوُّهي وَتَفَجُّعي

وَعَلِمت حُسنَ رِعايَتي وَوَفائي

الشريف الرضي

هو يومٌ حزين بلا شك... هذا اليوم بداية السنة الميلادية 2024، ذلك اليوم الذي غادر فيه دنيانا البروفيسور ناجي سعود الزيد الذي أفنى شبابه وكهولته من أجل العلم والمعرفة، وهو الذي كان من أغزر الباحثين إنتاجاً حتى نال جوائز عديدة ورفيعة لإنتاجه البحثي، وكان من أهم الباحثين في قسم الفسيولوجيا بكلية الطب في جامعة الكويت.

سنفتقدك جميعنا في كلية الطب، وعزاؤنا الوحيد أنك زرعت في كل منا جزءاً منك... من عطفك وعلمك وأدبك.

عاشرتُ هذا الصديق منذ بداية عملي في كلية الطب عام 1988، وبقي وفياً صادقاً لهذه الصداقة الحميمة إلى آخر لحظة من حياته. كنا نعمل معاً في الأبحاث الطبية، وقد نشرنا أكثر من 20 بحثاً في التغذية والمعادن النادرة في المجلات الطبية العالمية، كما عملنا مع الدكتور عبدالله بهبهاني والدكتور حبيب أبل مؤتمراً عالمياً للمعادن النادرة في عام 1994، وقد كنا محررين لمجلة التغذية في تلك السنة.

كان أباً محترماً لأبنائنا الطلبة، ونحن جميعاً ممتنون لمساهماته القيمة في المجال الطبي، وأبحاثه في العلوم الطبية المختلفة، وجهده الوفير في تحقيق البرامج التعليمية، وفي تطوير التعليم والبحث العلمي في جامعة الكويت، وخصوصاً بكلية الطب.

يبدو أن السنوات الخمسين التي قضيتها في نقل المهارات والمعرفة الصحيحة إلى أعضاء طاقم الفسيولوجيا، والإدارة مضت كلمح البصر. وليس عندي أدنى شك في أن أقول إنك كنت إنساناً بمعنى الكلمة، كنت معلماً متفوقاً، منفتحاً، كريماً، مطلعاً، متواضعاً، شجاعاً، ومسؤولاً يحظى باحترام الكبير والصغير في مجتمعنا ومن جميع الأساتذة والطلبة.

أتذكر عندما كان الطلاب يواجهون بعض التحديات كنت تقف بجانبهم، تنصحهم بخبرتك الهائلة في اتخاذ قرارات سريعة في مواقف صعبة ومعقدة جداً.

شكراً لك على تسهيل طرق التعليم المختلفة لجذب الطلبة وتوسيع مداركهم بأسلوبك الشائق ومعرفتك لعلوم الطب، فكان الطلاب يتهافتون لحضور محاضراتك الممتعة في قاعة المحاضرات.

طوال فترة وجودك في الكلية، كنت مدرساً متميزاً وملتزماً بتعزيز التميز في قطاع التعليم.

دكتور ناجي كنت دائماً متسامحاً ومتشوقاً للمساعدة عندما تكون لدينا معضلات ومشاكل تؤجج وتزعج عقولنا.

في الواقع، لقد ألهمتنا صفاتك الاستثنائية بطرق عديدة. وهذا سوف نتذكره جميعاً، وستبقى الذكريات الجميلة التي كانت لدينا معاً في قلوبنا إلى الأبد.

يسعدني أن أقول كصديق مقرب جداً وحميم للغاية، إن مساهمتك في تطوير خدمة المجتمع وأنشطة البحث ومساهمتك في تقدم الطب والتعليم والبحوث في المستشفى وفي الكلية كانت بلا حدود.

حصل الأستاذ ناجي الزيد على عدة جوائز محلية ودولية لعمله الدؤوب في مختلف المجالات.

كل تلك الإنجازات والجوائز لم تجلب شيئاً سوى الشهرة ورفع اسم الكلية محلياً ودولياً.

في الواقع، نحن فخورون بإنجازاتك العديدة، وقد ألهمتنا دائماً أن نفكر بشكل كبير.

شكراً لك على تدريس المواد الطبية بشغف، فقد جعلتها مهاراتك التدريسية سهلة وممتعة لكل طالب، مما جعل فصلك فصلاً دراسياً ممتعاً للجميع.

سيدي، لقد بذلت جهوداً كبيرة في غرس التسامح واللطف والصبر علينا وعلى الأجيال القادمة. لقد عملت بلا كلل، فقر عيناً واطمئن بالاً فإننا على أسلوبك وعملك ملتزمون.

‏ودعتَ الدنيا اليوم نظيف اليد... ناصع السمعة... أبيض الوجه بعد أن تخَرَّجَ أجيال من الطلبة والأساتذة على يديك.

ألهم الله الصبر والسلوان أم سعود وأبناءك وجميع إخوانك ومعارفك... و«إنا لله وإنا إليه راجعون».

الأستاد الدكتور حسين دشتي