ما حدث في جلسة القسم كان خروجاً عن المألوف أكثر منه خروجاً عن حالة راهنة، أو خروجاً على أناس تسيدوا مواقف غير مألوفة، عندما عبر صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح عن سخطه لما عايشه من ممارسات مغلوطة للبرلمان والحكومة، سموه لم يلغ ولم يبدل دستوراً موجوداً منذ ستة عقود، بل أوقف اعوجاجاً بالممارسة الديموقراطية، وأصلح انحرافاً في سلوكيات سياسية تسيدتها المجاملات والنقد غير المعلن وراء الكواليس، فقلب الطاولة على هذه الممارسات.

ما حدث يوم الأربعاء 20 من ديسمبر كان حركة استباقية في مفاهيم البرلمانات الحديثة والبروتوكولات السياسية، عندما وقف الحاكم وبحزم من أجل المحكوم في مواجهة سلطتين كان بيدهما الضبط والربط.

Ad

ما أحدثه صاحب السمو أمير البلاد في الجلسة البرلمانية الخاصة يجب أن يدرس في كليات العلوم السياسية وعلوم الاجتماع لكونه ظاهرة اجتماعية مستحدثة كان هدفها تغيير الحالة الكويتية من خلال تغيير الممارسات المغلوطة التي ارتبطت بأيديولوجيات شخصية لا بمصالح عامة، ولهذا كان اندفاع سموه لتغيير واقع مرير اختلقته السلطتان لا مؤسساتهما، بعد أن استشعر سموه غياب النزاهة السياسية وفقدان العدالة الاجتماعية من أجل النهوض بمؤسسات الدولة.

ولهذا شهدنا أن الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، لم يكد يؤدي اليمين الدستورية أمام مجلس الأمة المنعقد في ذلك اليوم، حتى بدأ بإعلان العهد الجديد الذي أشار إلى بعض خطوطه العريضة ضمن خطاب تاريخي ألقاه أمام «الشعب» موجهاً انتقاده المباشر للبرلمان والحكومة في سابقة بروتوكولية لم تعهدها الكويت.

فكيف لا يقوم صاحب السمو، رئيس السلطات، بانتقاد أداء البرلمان والحكومة اللذين أقسما بالله على أن يكونا مخلصين للوطن وللأمير وأن يحترما الدستور وقوانين الدولة ويذودا عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله ويؤديا أعمالهما بالأمانة والصدق، وبعد أن أكد سموه في خطاباته السابقة أن هناك استحقاقات وطنية ينبغي القيام بها لمصلحة الوطن والمواطنين، فإذا بالكويتيين يفاجؤون بغياب التغيير في الأداء البرلماني وفقدان التصحيح للمسار الحكومي، وكيف لا يعبر سموه عن سخطه من الأوضاع البرلمانية والحكومية بعد أن شاهد ووصل إلى مسامعه تعاونهما واجتماع كلمتهما على الإضرار بمصالح البلاد والعباد، خصوصاً بعد قسم أعضائهما العظيم وتلك الثقة السامية الغالية التي شرفهما سموه بها، وأقرب مثال على ما نقول تلك التعيينات والتنقلات في مناصب رفيعة تناقض أبسط معايير العدالة والإنصاف، حتى ضاعت حقوق أبناء الديرة، فهاجرت كفاءات وخبرات كويتية نادرة– نعرفها– بعيداً عن الكويت.

إن العبث بمصاير أبناء البلد ومستقبلهم من خلال تلك التعيينات والتنقلات الجائرة ليس إلا غيضا من فيض انحراف السلطتين، استطاع سموه أن يحد من تأثيراتها السلبية، عندما أوقف قرارات التعيين والترقية والندب والنقل لأجل مسمى، ولكن ماذا بشأن التزوير في وثائق الجنسية والعبث بالهوية الوطنية وقضيتي العفو ورد الاعتبار والتزوير في الشهادات العلمية وتزوير إجازات القيادة والرشا والفساد المالي الذي استشرى في مؤسسات الدولة؟ هل سنرى قرارات «سامية» متتالية على أداء هذه السلطات، مثل الارتدادات الزلزالية، ليعيد سموه هيبة القانون إلى ما كانت عليه، ويعيد الكويت إلى مسار التنمية الشاملة التي عهدناها في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم، لندعو الله أن يطيل في عمر أميرنا الذي «برد قلوب وچبود أهل الديرة»، بعد أن طال صبرهم، وكأنني أسمع دقات ساعة التاريخ معلنة بداية تسجيل مسار وعهد جديدين.