نص الدستور بإصرار في المادة (98) على تقديم الحكومة برنامج العمل فور تشكيلها: «تتقدم كل وزارة فور تشكيلها ببرنامجها إلى مجلس الأمة، وللمجلس أن يبدي ما يراه من ملاحظات بصدد هذا البرنامج».

المشرِّع قد أشار في المادة (98) من الدستور إلى الأهمية القصوى لتقديم برنامج العمل الحكومي في موعده، وهو فور تشكيل الحكومة، ويقدم لمجلس الأمة كي يدرسه جملة وتفصيلا، ويضع ملاحظاته ويبلغها الحكومة رسمياً.

Ad

وأوجب المشرع على الحكومة أن تحل ملاحظات المجلس في المكان اللائق بها وبه كمجلس، وبناء عليه يقول الدكتور عادل الطبطبائي «إن مجرد عدم أخذ الحكومة بملاحظات المجلس على البرنامج يوجب تحريك المساءلة السياسية التي تصل إلى حد إعلان عدم التعاون أو حجب الثقة عن الوزير المختص». (النظام الدستوري في الكويت، د.عادل الطبطبائي 834– 839).

ووصفت في مقال سابق برنامج العمل الحكومي بأنه الفريضة الدستورية الغائبة لأنه منذ فجر الحياة السياسية والبرلمانية لم يعمل بهذه المادة وفق المعايير التي يفرضها النص الدستوري، بالرغم من أن برنامج العمل الحكومي يشكل المحور الأساسي الذي تدور عليه عملية اختيار الحكومة برئيسها ووزرائها وكل المسؤولين والموظفين في الدولة، وبغيابه تضيع بوصلة الاختيار لدى الجميع، لذلك نص المشرع في دستور الكويت على أن تتقدم الوزارة ببرنامج عملها فور تشكيلها، وبهذا النص الذي يفور بالجدية والحتمية يشير المشرع إلى الأهمية المركزية لبرنامج العمل في اختيار الحكومة.

وقد لمحت في قراءتي العميقة للنص إلى أنه قد نص على أن تتقدم الحكومة لا أن تضع الحكومة، وهذا يثبت أن برنامج العمل قد سبق تشكيل الحكومة، وكان القاعدة التي تشكلت واختيرت بسببها الحكومة، وقد أشرت في اجتهادي ومن خلال ما ينضح به النص القانوني من دلالات بأن برنامج العمل يجب أن تضعه القوى الحية في المجتمع والمكونة من منظمات المجتمع المدني والكتل السياسية والنشطاء من خلال عملية عصف ذهني تثيره المستجدات والمشكلات والتحديات في المرحلة الممتدة إلى أربع سنوات هي عمر المجلس والحكومة، وتتبلور فيها المشاريع والمستهدفات المدروسة على يد جهاز متخصص وذكي تابع لسمو الأمير ليقوم بفرز وبلورة ما تقدمه القوى الحية في المجتمع من أهداف، ويضع محدداتها الزمنية والكمية النهائية بعد نقاشها مع مقدميها وإفراغها في برنامج عمل حكومي نهائي، وأقترح في هذا الصدد أن يكون هذا الجهاز هو مركز الكويت للسياسة العامة (KPPC) وإلحاقه بمكتب سمو الأمير، حفظه الله ورعاه.

عندها يتم اختيار الحكومة وفق برنامج العمل الحكومي، وتتقدم الحكومة ببرنامج عملها فور تشكيلها لمجلس الأمة كي يضع عليه ملاحظاته، ويقدم مجلس الأمة ملاحظاته للحكومة، وهنا وهنا فقط يكون للنص الدستوري معنى ومعقولية تامة، والأهم أن البلاد تخرج من حالة العشوائية وعدم الوضوح في رسم السياسات وفي الأداء الحكومي والمجتمعي، وتدخل عالما منظما ومحسوب الخطوات نحو أهداف محددة زمنيا وكميا، لا أهداف هلامية مصوغة ببلاغة نمطية مملولة من كثرة تكرارها.