وسط حضور كبير من أبناء الأسرة الحاكمة والشخصيات السياسية وكبار المسؤولين بالدولة وسفراء الدول ووسائل الإعلام، افتتح رئيس مجلس الأمة أحمد السعدون الجلسة الخاصة لتأدية سمو الشيخ مشعل الأحمد اليمين الدستورية أميراً للبلاد أمام مجلس الأمة، عملاً بنص المادة 60 من الدستور، واستناداً إلى المادة 72 من اللائحة الداخلية.

واستهلت الجلسة بتلاوة آيات من الذكر الحكيم، عقبها تلاوة الأمين العام للكتب الواردة من مجلس الوزراء، حيث تلا كتابا بإعلان وفاة سمو أمير البلاد الراحل الشيخ نواف الأحمد، وبمناداة سمو الشيخ مشعل الأحمد أميراً للبلاد، كما تلا الكتاب الثاني الوارد من الحكومة، والذي طلب فيه مجلس الوزراء من مجلس الأمة عقد جلسة خاصة يوم 20 ديسمبر 2023، لتأدية سمو الشيخ مشعل الأحمد اليمين الدستورية أميراً للبلاد.

Ad

ناصر المحمد وكبار شيوخ الأسرة في مقدمة الحضور

وقام سمو الشيخ مشعل الأحمد بتأدية اليمين الدستورية، وهذا نصها: «أقسم بالله العظيم أن أحترم الدستور وقوانين الدولة، وأذود عن حريات الشعب ومصالحه وأمواله، وأصون استقلال الوطن وسلامة أراضيه».

وعقب تأديته اليمين الدستورية أميراً للبلاد، ألقى سموه النطق السامي، وفيما يلي نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين وعلى آله وأصحابه الكرام الطيبين.

معالي الأخ أحمد عبدالعزيز السعدون، رئيس مجلس الأمة - سمو الشيخ أحمد نواف الأحمد الصباح، رئيس مجلس الوزراء - الأخوة والأخوات أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية.

الأمير مستذكراً مآثر نواف الأحمد :

أيها الحضور الكريم: أحييكم بتحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، التقي بكم اليوم في ظل هذه الأجواء الحزينة والظروف الأليمة والأوقات العصيبة، ألتقي بكم وفي العين دمعة وفي القلب غصة وحسرة وفي النفس لوعة وحرقة، ألتقي بكم والكلمات تضيق وتعجز عن التعبير عما يختلج في خاطري وفي نفسي شخصيا من مشاعر الحزن والأسى على فراق أخي ورفيق عمري ودربي المغفور له بإذن الله الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، طيب الله ثراه وجعل الجنة دار الخلد مثواه، ألتقي بكم لأستذكر بكل معاني الفخر والاعتزاز ما قدمه فقيد الوطن لشعبه الكريم من إنجازات متميزة لصالح الوطن والمواطنين، وما سجله خلال حياته من دور أبوي وإنساني بارز ومشرف شهد له الجميع.

سيرة عطرة

حيث أعطى بلا حدود عطاء من غير منة وترك لنا سيرة عطرة ومناقب رفيعة جميلة فريدة في الوصف والعدد وتفرد في تواضع شامخ فكان بحق شيخ التواضع والمتواضعين، مما جعل التواضع يعزي بعضه بعضا بفقده ورحيله، ولقد كان له منا السمع والطاعة ولم نخالف سموه قط في القرارات والتعليمات التي أمر بها رغم عدم قناعتنا ببعضها، لأن طاعته من طاعة الله وعزاءنا وعزاء أهل الكويت هو جميل ما تركه لنا رحمه الله من مآثر حميدة وأخلاق زكية كريمة ستبقى ذكراها خالدة تسكن العقل والوجدان، ونحن بقضاء الله وقدره مؤمنون، وإنا على فراقك يا أميرنا لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي الله وما يقوله الصابرون، «الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون».

ولا يفوتنا ونحن في هذا المقام إلا أن أسجل أسمى آيات الشكر والتقدير والاعتزاز للشعب الكويتي الوفي الذي عبر وبصدق عن أرقى وأعذب مشاعر العزاء، والشكر والتقدير موصول لكافة قادة وزعماء الدول الشقيقة والصديقة، ولكل من حضر وقدم واجب العزاء، ومن حضر من المعزين ولم يتمكن من تقديم واجب العزاء لكثافة الحضور وضيق الوقت، والشكر أيضا لكل من عبر عن ذلك بكافة وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أملك إلا أن أقول للجميع جزاكم الله عنا وعن الوطن وعن أهل الفقيد خير الجزاء، وتقبل الله دعاءكم ولا أراكم الله سوءا ولا مكروها ونلتمس العذر لمن لم يحضر.

حمل الأمانة

إخواني وأخواتي أبناء وطني العزيز، ما أثقل حمل الأمانة وما أعظم أداء القسم العظيم وما أشد الوفاء بالعهد والوعد، وأنا اليوم وقد تسلمت زمام الحكم تكليفا لا تشريفا فإنني من خلال مجلسكم الموقر أعاهد الله سبحانه وتعالى، ثم أعاهد الشعب الكويتي الوفي كممثلين له، أن أكون المواطن المخلص لوطنه وشعبه الحريص على رعاية مصالح البلاد والعباد، المحافظ على الوحدة الوطنية، الساعي إلى رفعة الوطن وتقدمه وازدهاره، المتمسك بالدين الحنيف والثوابت الوطنية والدستورية الراسخة، حاملا لواء احترام القانون وتطبيقه المحارب لكافة صور الفساد وأشكاله، مستذكرا ما تركه لنا الآباء والأجداد من أمانة الحفاظ على الوطن، ومنفذا وصية حكامنا السابقين طيب الله ثراهم بأن الكويت هي البقاء والوجود، وأن أعمارنا إنما هي في أعمالنا، وأود أن أؤكد لكم في خطابي هذا استمرار نهج ودور دولة الكويت الريادي مع الدول الشقيقة والصديقة في مختلف القضايا والموضوعات ذات الاهتمام المشترك محافظين على التزاماتنا الخليجية والإقليمية والدولية.

استحقاقات وطنية

إخواني وأخواتي أبناء وطني العزيز: أكدنا في خطاباتنا السابقة أن هناك استحقاقات وطنية ينبغي القيام بها من قبل السلطتين التشريعية والتنفيذية لصالح الوطن والمواطنين، وبالتالي لم نلمس أي تغيير أو تصحيح للمسار، بل وصل الأمر إلى أبعد من ذلك عندما تعاونت السلطتان التشريعية والتنفيذية، واجتمعت كلمتهما على الإضرار بمصالح البلاد والعباد، وما حصل من تعيينات ونقل في بعض الوظائف والمناصب، والتي لا تتفق مع أبسط معايير العدالة والإنصاف، وما حصل كذلك في ملف الجنسية من تغيير للهوية الكويتية، وما حصل في ملف العفو، وما ترتب عليه من تداعيات، وما حصل من تسابق لملف رد الاعتبار لإقراره لهو خير شاهد ودليل على مدى الإضرار بمصالح البلاد ومكتسباتها الوطنية، ومما يزيد من الحزن والألم سكوت أعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية عن هذا العبث المبرمج لهذه الملفات وغيرها، مما أسبغ عليها صفة الشرعية، وكأن الأمر أصبح بهذا السكوت يمثل صفقة تبادل المصالح والمنافع بين السلطتين على حساب مصالح الوطن والمواطنين.

لهذا جاء قرارنا السيادي مكتوبا بوقف جزء من هذا العبث من خلال وقف قرارات التعيين والترقية والنقل والندب لأجل مسمى، وسيتم إن شاء الله التعامل مع باقي الملفات الأخرى فيما بعد، بما يحقق مصالح البلاد العليا.

إخواني وأخواتي أبناء وطني العزيز: حذرنا في مناسبات عديدة بأن الأزمات والتحديات والأخطار محيطة بنا، وأن الحكمة تقتضي منا إدراك عظم وحجم المسؤولية، والتمسك بالوحدة الوطنية التي هي ضمانة البقاء بعد الله، مما يتعين علينا اليوم ونحن نمر بمرحلة تاريخية دقيقة ضرورة مراجعة واقعنا الحالي من كافة جوانبه، وخصوصا الجوانب الأمنية والاقتصادية والمعيشية، والتي هي وصية أميرنا الراحل طيب الله ثراه، وأن نتحاور وأن نتبادل الرأي والمشورة والنصيحة، وأن نسعى جميعا لإشاعة أجواء التفاؤل وبث روح الأمل لتحقيق الطموح المنشود، وضرورة التأني والتريث في إصدار القوانين والقرارات التي لها تأثير على المكتسبات الوطنية، حفاظا على الهوية الكويتية، وتعزيزا للمواطنة الحقة للكويتيين الذين يؤمنون بأن الكويت هي البقاء والوجود، وأن الولاء لها.

قيادة سياسية

إخواني وأخواتي أبناء وطني العزيز: انطلاقا من مسؤولية وأمانة الحكم فإنه يتوجب علينا كقيادة سياسية أن نكون قريبين من الجميع، نسمع ونرى ونتابع كل ما يحدث من مجريات الأمور والأحداث، مؤكدين على أهمية المتابعة والمراقبة المسؤولة والمساءلة الموضوعية والمحاسبة الجادة في إطار الدستور والقانون عن الإهمال والتقصير والعبث بمصالح الوطن والمواطنين، فسيروا على بركة الله وتوفيقه، ونحن دائما معكم على الوعد والعهد الذي قطعناه على أنفسنا باقون، وبالقسم العظيم بارون أوفياء للوطن والمواطنين.

وفي الختام، أدعو الله في علاه أن تبقى الكويت واحة أمن وأمان ومنبع خير وسلام، وأن يديم عليها التقدم والرخاء، ويحفظ أهلها الأوفياء أعزة كرماء، وأن يسدد على دروب الخير والتوفيق جميع خطاكم، وأن يوفقكم إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجمع قلوبنا على محبة الكويت ونفوسنا على التضحية من أجلها، وأن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يتغمد موتانا وموتى المسلمين بواسع رحمته، وأن يشفي مرضانا ومرضى المسلمين، وأن يمتعنا بالصحة في الأبدان وفي الوطن بالأمن والأمان.

«ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا»، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

قائداً حكيماً وإنساناً

وألقى بعد ذلك رئيس مجلس الأمة كلمة ابن في بدايتها الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد، وهنأ بنهايتها الأمير مشعل الأحمد. وقال السعدون في بداية كلمته «إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع... وإنا على فراق سمو الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله وطيب الله ثراه، لمحزونون».

الأمير :

سمو الأمير والسعدون وحديث على منصة الرئاسة

وأكد السعدون أن «الفقد أليم والأسى عميق في قلوبنا جميعاً على فراق أميرنا الذي عرفناه قائداً حكيماً وإنساناً تمتد يده بالعطاء بلا حدود، فقد كان مرشداً حليماً بالعفو الكريم، حاكماً مؤمناً بقيم التسامح والتواضع... قريباً من نبض الشعب بجميع فئاته... يتلمس تطلعاته ويستجيب لحاجاته، لقد رحل سمو الأمير الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله وطيب الله ثراه، بعد سنوات قضاها على رأس الدولة، وقبلها سنوات عديدة، متدرجاً في سلم المهام الوطنية السامية، تاركاً إرثاً خالداً من خلال بصماته المشهودة وكلماته الراسخة في الوجدان، نبراساً منيراً لما تضمنته من توجيهات وإرشادات سديدة ألهمتنا عناوين العمل الوطني الشامل لمجالات الإنجاز التنموي والإصلاح السياسي».

وتابع: «وإذ نتضرع إلى المولى عز وجل أن يتغمد روح فقيد الوطن الغالي سمو الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح برحمته الواسعة، وأن يسكنه فسيح جناته، فإننا ندعو الله تعالى أن يمد حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، حفظه الله ورعاه، بالعون المديد والرأي السديد لاستكمال مسيرة بناء الدولة وفق القيم الدستورية».

أحمد السعدون :

وأضاف: «لقد تابع شعب الكويت بكل اعتزاز ما قمتم به يا صاحب السمو من معاونة فقيد الكويت في إدارة دفة الحكم بكل ما فيه مصلحة البلاد والعباد، خاصة منذ صدور الأمر الأميري بتاريخ الخامس عشر من نوفمبر من عام ألفين وواحد وعشرين بشأن الاستعانة بسموكم الكريم لممارسة بعض اختصاصات الأمير الدستورية».

واستدرك: «وإننا نعاهدكم اليوم مع الولاء بقلوبنا وعقولنا والإخلاص بأعمالنا لنكون على قدر ثقتكم بنا في التعاون مع السلطة التنفيذية لرسم ملامح العهد الجديد، وباسمي وباسم أعضاء مجلس الأمة أرفع إلى مقامكم السامي التهنئة الخالصة بقيادة حاضر ومستقبل وطننا الغالي، واثقون بحكمة وقدرة سموكم على حمل راية تحفيز الهمم على دروب التنمية والتطوير والإصلاح لبلوغ قمم السمو بالأهداف الوطنية، سائلين المولى تعالى أن يسدد على طريق الخير خطاكم، ويوفق سموكم لما يحب ويرضى».

وتابع: «ونحن نقف على عتبة مرحلة جديدة، سنواصل المسيرة موقنين بغدٍ مشرق تحت قيادتكم الرشيدة... وإننا على العهد ملتزمون وبالوعد عازمون على العمل من أجل مستقبل بلادنا وأجيالنا بمتطلبات تشريعية تستجيب لأهداف التنمية الشاملة والمستدامة التي نتطلع إليها جميعاً باستلهام الأولويات من رؤية سموكم الثاقبة بواقع بلادنا والمستشرفة لآفاقها الواسعة في محيطها الإقليمي والدولي».