قليلون هم الحكّام الذين تلقبهم شعوبهم بشكل عفوي ودون توجيه رسمي أو تأثير إعلامي، وها هو المغفور له بإذنه تعالى الأمير الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح يكتسب بتلقائية وعفوية لقبين كبيرين، واحد اكتسبه منذ الأيام القليلة الأولى لحكمه، وآخر ختم به مسيرته في الحياة وعلى سدّة الحكم.

فبعيد تربّعه على مسند الإمارة انتشرت للراحل الكبير صورة- أخذت له خفية- وهو في المسجد القريب من منزله يظهر فيها منكباً، بتواضع المؤمنين وسكون الخاشعين، على قراءة القرآن الكريم والتضرع لله تعالى، فاكتسب من وقتها اللقب الأقرب الى حقيقته، وهو أمير «الورع» والتواضع والإيمان.

Ad

ولعله من جميل الأقدار أن يكون آخر ما يصدر باسمه مرسوم عفو عن مجموعة من الكويتيين الذين أدينوا بجرائم نسبت إليهم، وشغلت الرأي العام الكويتي، فتكرّس له لقب عظيم آخر هو «أمير العفو».

لقد كان حضرة صاحب السمو رجلاً تقياً، قريباً من الله، متواضعاً ومتعففاً عن مغريات السلطة وفتنة الجاه والمال، حريصاً على التواصل مع الناس، فأحبوه كما أحبهم، وحزنوا عليه بالقدر الذي شاركهم فيه أفراحهم وأتراحهم.

وها هو من تميّز بإنسانيته، وتواضَع بإيمانه، وحَكَم بهدوئه، وسَاد بحكمته، يترك الدنيا بما فيها ليقابل ربّه الودود الغفور بمسيرة حياة حافلة بالعطاء غنية بالإنجازات، قضاها في خدمة وطنه وشعبه، ونصرة الحق والعدل في الكويت والعالم.

وما شهدنا إلا بما رأينا وعشنا.

***

لقد كان الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، رحمه الله تعالى، رجل دولة من الطراز الرفيع، اكتسب خبرته في الحكم والسياسة من مرافقته للأمراء ومعاصرته للشيوخ والوزراء لعقود طويلة كوّن خلالها شعبية واسعة تفاعلت بالإيجاب مع حرصه الدائم وإصراره الواضح على تثبيت قواعد الازدهار والاستقرار.

وقد تحقق في فترة حكمه- القصيرة نسبياً- بعض مما طمح إليه وعمل على إنجازه من تعزيز لأواصر الوحدة الوطنية بين مختلف المكونات والشرائح الكويتية، وتطوير للنظام الانتخابي بما يعزز عدالة وفعالية المشاركة الشعبية، ناهيك عن توجيه دفة التنمية وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين.

فمنذ أن أدى الشيخ الراحل اليمين الدستورية أميراً لدولة الكويت أمام مجلس الأمة في سبتمبر 2020، أكد اعتزازه بالدستور والنهج الديموقراطي الذي سار عليه أسلافه، متعهدا بالعمل على أمن دولة الكويت واستقرارها وازدهارها، دون أن ينسى التركيز على ضرورة «تضافر الجهود» لمواجهة «الظروف الدقيقة والتحديات الخطيرة» التي تمرّ بها دولة الكويت.

فكان الفقيد الكبير منسجماً فيما قاله مع تاريخه المشرّف، حيث اقترن اسمه وحضوره بنجاحه في التصدّي لثلاث من أصعب المراحل التي مرّت بها دولة الكويت وشعبها العزيز، فقد كان الراحل وزير الدفاع الذي تحمّل المسؤوليات الجسام في التصدّي للغزو العراقي الغاشم عام 1990، وفي توجيه جهود التحرير في بدايات عام 1991، كما كان وزير الداخلية في عام 2005 حين حاول بعض المغرّر بهم أن يزرعوا الفتنة ويرتكبوا الجرائم بحق الآمنين باسم الإسلام، فوقعت المواجهة بين المجموعات الإرهابية والقوى الأمنية الكويتية التي وجهها المغفور له بحكمة وحنكة، كما ترافقت بدايات حكمه مع أزمة كورونا التي شلّت البلاد وهدّدت العباد، فما كان من المغفور له بإذن الله تعالى إلا أن يقود جهود التصدي للجائحة القاتلة بعزم وحسم.

ففي جميع الأزمة، وفي كل الأمكنة، تبقى السمات الرئيسة لشخصية الأمير الراحل وطريقة إدارته للأزمات بارزة للعيان، فهو الحكيم الهادئ، الإنساني الحازم، رجل الدولة الذي يضع مصلحة وطنه ومواطنيه في صدارة أولوياته.

***

لم يقتصر الحضور المميّز للراحل الكبير على الداخل الكويتي، ولم تقف إسهاماته عند حدود بلاده، فقد كان السبّاق في رأب أي صدع من شأنه أن يهزّ تماسك مجلس التعاون لدول الخليج العربي، كما كانت له إسهامات ومواقف مشرفة تجاه القضايا الإنسانية بشكل عام والعربية بشكل خاص، إذ يعتبر- عن حق- من أشد المؤيدين لوحدة الصف العربي، ومواجهة التحديات التي تواجه الشعوب العربية.

تاريخه- كما تاريخ الكويت- حافل بمناصرة القضية الفلسطينية على المستويات السياسية والإنسانية كافة، والسطور تضيق عن ذكر التفاصيل في هذا الشأن، منذ عام 1948 عام النكبة الى عام 2023 عام العزة لغزّة وأهلها الصامدين المحتسبين.

كما أن مواقفه كانت مشرفة إزاء الأزمات المتكررة التي عانى وما زال يعانيها الشعب اللبناني منذ عام 1975، بدءاً من دوره في مساندة جهود الأمير الراحل المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في اللجنة العربية التي مهّدت نتائجها للوصول الى اتفاق «الطائف» الذي وضع نهاية للحرب الأهلية اللبنانية، وانتهاء بمواقفه المشرّفة بتوجيه الدعم للبنان في أزماته الأخيرة، مروراً بجميع جهوده الهادفة الى تعزيز الاستقرار والأمن والطمأنية في هذا البلد الصغير والعزيز على الكويت حكومة وشعباً.

***

لقد ترك «أمير الورع والعفو» بصمة واضحة في تاريخ الكويت والعالم، فكان بشهادة الجميع رجلاً يجمع بين هيبة الحكّام وتواضع الكبار، خدم وطنه وشعبه بكل إخلاص وتفان، وسجّل اسمه في تاريخ الحكّام الذين يذكرهم شعبهم بكل الخصال المحمودة والدعاء المخلص والمحبة الصادقة.

رحم الله الأمير الراحل الشيخ نواف الأحمد الجابر الصباح، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنّة، وجزاه الله عنّا وعن شعبه كلّ الخير وغمره بالعطف والعفو وزاده حسنات ودرجات.

* كاتب ومستشار قانوني.