رفضت المحكمة الدستورية اليوم، برئاسة المستشار فؤاد الزويد، وعضوية المستشارين عادل البحوه وصالح المريشد وعبدالرحمن الدارمي وإبراهيم السيف، الطعن المقام من النادي العربي، بطلب الحكم بعدم دستورية مواد قانون هيئة التحكيم الرياضي، لمخالفته أحكام الدستور بشأن منع اللجوء إلى المحاكم في المنازعات الرياضية.

وقالت «الدستورية»، في حيثيات حكمها، إنه «من المقرر- في قضاء هذه المحكمة - أن حق الالتجاء إلى القضاء هو من الحقوق العامة التي تثبت للناس كافة، ولكل مواطن الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي يحتمي به تمسكاً أو ذوداً عن حق يدعيه لنفسه، إلا أنه ليس هناك تناقض بين حق التقاضي - كحق دستوري أصيل - وبين تنظيمه تشريعياً، طالما أن المشرع لم يتخذ من هذا التنظيم وسيلة إلى حظر هذا الحق أو إهداره، والأصل أن المحاكم هي صاحبة الولاية العامة للقضاء، وتختص بالفصل في كل المنازعات أياً كان نوعها وأياً كان أطرافها، ما لم يكن الاختصاص بالفصل فيها مقرراً بنص في الدستور أو القانون لجهة أخرى تحقيقا لعلة ارتأها المشرع».

Ad

وأضافت أن «التحكيم هو طريق استثنائي لفض الخصومات، قوامه الخروج عن طرق التقاضي العادية، وهو يرتكن أساساً إلى القانون الذي أجاز استثناء سلب ولاية جهات القضاء، إلا أنه يقوم على رضاء الأطراف وقبولهم به كوسيلة لحسم المنازعات التي نشأت أو يمكن أن تنشأ بينهم، ذلك أن الأصل في التحكيم أن يكون وليداً لاتفاق الخصوم على اللجوء إليه كطريق بديل عن اللجوء إلى القضاء لفض ما يثور بينهم من منازعات، وفي الحدود والأوضاع التي تتراضى إرادتهم عليها، وقد يتمثل هذا الاتفاق في صور عديدة كأن يكون مستمداً من اتفاق بين طرفين أبرماه بعد قيام النزاع بينهما، أو تضمنه عقد لحسم ما قد يثور من منازعات بخصوص هذا العقد، وقد يكون مجرد إحالة في العقد إلى وثيقة تتضمن شرط التحكيم إذا كانت الإحالة واضحة في اعتبار هذا الشرط جزءاً من العقد».

خصوصية المنازعات

وتابعت المحكمة: «كما أنه ليس هناك ما يحول إذا قامت أوضاع خاصة بخصوم محددين أو في شأن منازعات معينة لها طبيعتها المغايرة لطبيعة المنازعات العادية أن يأخذ الاتفاق على التحكيم صوراً أخرى مختلفة تستقل بذاتيتها، كأن يكون مستمداً من إرادة جماعية أو تضمنته اتفاقية دولية واجبة الاحترام، وتطبيقاً لذلك فإنه نظراً لخصوصية المنازعات الرياضية والحاجة إلى سرعة حسمها، وارتباط الهيئات الرياضية الوطنية بالهيئات الدولية التي تنظم الأنشطة الرياضية التي تمارسها، والتي تتخذ من التحكيم أسلوباً لحل المنازعات الرياضية التي تثور بينها، ليس هناك ما يمنع من أن يأخذ الاتفاق على التحكيم صورة بند في لائحة أو في النظام الأساسي للهيئة الرياضية توافق عليه الجمعية العمومية لهذه الهيئة، ينص فيه على إحالة أي نزاع يتعلق بما ورد بتلك اللائحة أو النظام الأساسي إلى التحكيم الرياضي لدى هيئة تحكيم تشكل لهذا الغرض تتمتع بالحيدة والاستقلال وتلتزم بالضمانات الأساسية للتقاضي».

وبينت أن القانون رقم 87 لسنة 2017 بشأن الرياضة قد صدر - وعلى ما أفصحت عنه المذكرة الإيضاحية للقانون - بقصد جمع وتقنين الأوضاع القانونية والعملية للجوانب المختلفة للرياضة في الكويت، بهدف تنظيم العلاقة بين الهيئات الرياضية فيما بينها وعلاقاتها مع أعضائها ومنتسبيها، وكيفية حسم المنازعات الرياضية، وروعي في هذا القانون التوافق والانسجام مع الميثاق الأولمبي والنظم الأساسية للاتحادات الرياضية الدولية ومسايرة التطورات التي طرأت عليها.

وأوضحت أن النشاط الرياضي في الكويت كان قد تعرض للإيقاف على المستوى الدولي في عام 2015 من الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية، بسبب الادعاء بوجود تدخل حكومي في شؤون الهيئات الرياضية الوطنية، وعدم استقلالها في إدارة شؤونها، فحرص قانون الرياضة، سالف البيان، على تأكيد استقلالية هذه الهيئات من خلال تعظيم دور جمعياتها العمومية باعتبارها صاحبة الاختصاص الأصيل في إدارة شؤونها ووضع لوائحها ونظمها الأساسية دون أي تدخل حكومي، كما التزم بما تقرره المواثيق الرياضية الدولية، التي تحث على جعل التحكيم طريقاً أساسياً لفض المنازعات الرياضية، فأنشأ بموجب المادة 44 منه هيئة تحكيم رياضية مستقلة ذات شخصية اعتبارية، تسمى «الهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي»، تتولى تسوية المنازعات الرياضية في الدولة، والتي يكون أحد أطرافها أياً من الهيئات الرياضية أو أعضائها أو منتسبيها، من خلال الوساطة أو التوفيق أو التحكيم، وأوجب على هذه الهيئة الالتزام بالمبادئ والضمانات الأساسية للتقاضي والعدالة.

المعايير الدولية

وأفادت المحكمة بأنه تطلب في المادة (4) من القانون أن تكون النظم الأساسية التي تضعها الهيئات الرياضية بمعرفة جمعياتها العمومية متفقة مع الميثاق الأولمبي والنظم الأساسية للاتحادات الرياضية الوطنية والدولية المعنية والمعايير الدولية ذات الصلة، وأن تتضمن على وجه الخصوص اعتبار إقرار النظام الأساسي من قبل الجمعية العمومية للهيئة الرياضية قبولاً بآلية تسوية المنازعات الرياضية من خلال هيئة التحكيم المنصوص عليها في هذا القانون، بحيث يكون اللجوء إلى التحكيم نابعاً من إرادة الجمعية العمومية للهيئة الرياضية بتضمين نظامها الأساسي الموافقة على ذلك، وأوجب صراحة في المادة (5) من القانون على الهيئات الرياضية الحصول على موافقة الهيئات الرياضية الدولية المنتمية إليها على الأحكام الخاصة بنظمها الأساسية، بحسب طبيعة نشاطها الرياضي وما تتطلبه المعايير الدولية ذات الصلة.

وأضافت أنه متى كان ما تقدم، فإنه يبين أن ما تضمنه القانون من اختيار التحكيم كآلية للفصل في المنازعات الرياضية جاء متسقاً مع ما تقرره المواثيق الرياضية الدولية، وما تضمنته النظم الأساسية للهيئات والاتحادات الرياضية الدولية التي تشترك الكويت في عضويتها، ومراعاة لطبيعة تلك المنازعات والحاجة إلى سرعة حسمها، وتكريساً لاستقلال الهيئات الرياضية الوطنية، وبعد موافقة الجمعيات العمومية لها على تضمن نظمها الأساسية قبولاً بذلك.

ولفتت إلى أنه وإذ جاءت المادتان 1و7 من القواعد الإجرائية للهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي - المطعون فيهما - تطبيقاً لما أورده القانون في هذا الشأن، فإنهما لا تكونان قد تضمنتا تجاوزاً لحدود التفويض بإصدار هذه القواعد أو أضافتا أحكاماً جديدة لم ترد بالقانون.

وأضافت «دون أن يغير من ذلك القول بأن ما ورد في نص المادة (7) سالفة البيان من إسناد الاختصاص بالفصل في المنازعات الرياضية للهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي دون غيرها قد حصر ولاية الفصل في المنازعات الرياضية في تلك الهيئة وحدها ومنع القضاء من مباشرة اختصاصه في هذا الشأن، ذلك أن اختيار التحكيم للفصل في المنازعات الرياضية يستبعد بالضرورة القضاء من نظر هذه المنازعات استثناء من أصل خضوعها لولايته باعتبار أن التحكيم يعتبر نظاماً بديلاً عن القضاء فلا يجتمعان وليس مؤدى ذلك عزل القضاء عن هذه المنازعات كلياً».

قواعد قانونية

وأكدت المحكمة أنه يظل للقضاء دوره في تنفيذ أحكام التحكيم سالفة البيان، ذلك أن تنفيذها يخضع للقواعد القانونية المقررة في شأن التحكيم الواردة في قانون المرافعات عملاً بالمادة (49) من قانون الرياضة المشار إليها، فلا تكون قابلة للتنفيذ إلا بأمر يصدر من رئيس المحكمة المختص بعد التثبت من انتفاء موانع التنفيذ.

وقالت المحكمة وحيث إنه لا ينال مما تقدم القول بأن إسناد الفصل في المنازعات الرياضية للهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي دون غيرها يعد تنازلاً عن جزء من سيادة الدولة لما يترتب عليه من اختصاص تلك الهيئة بنظر الطعن في القرارات الإدارية الصادرة عن الهيئة العامة للرياضة، ومراقبة مدى التزامها بتطبيق القوانين المحلية والقرارات واللوائح الإدارية الصادرة منها.

وأشارت إلى أن هذا القول مردود بأن اختصاص الهيئة الوطنية للتحكيم الرياضي يقتصر على المنازعات الرياضية المحددة بالقانون، ولا يمتد إلى المنازعات الإدارية المتعلقة بالقرارات الإدارية التي تصدر عن الجهات الإدارية بالدولة ومنها الهيئة العامة للرياضة، باعتبارها غير مخاطبة بأحكام هذا القانون.

وتابعت: فضلاً عن أن المشرع في قانون الرياضة قد عمد إلى منح الهيئات الرياضية الإدارة الذاتية لشؤونها اتفاقاً مع المعايير الدولية - بحيث أضحت قرارات الجمعيات العمومية لهذه الهيئات ومجالس إداراتها لا تخضع لرقابة وصائية من الجهة الإدارية أو أي جهة أخرى لنفاذها، إذ خلت الأحكام التي تنظم الجمعيات العمومية لتلك الهيئات وقراراتها وقرارات مجالس إداراتها من إخضاعها لأي إشراف أو رقابة من الجهة الإدارية، إلا ما تعلق منها بالدعم المالي والإعانات الحكومية المقدمة للهيئات الرياضية ومراجعة أوجه صرفها في حدود النصوص القانونية المنظمة لذلك، على خلاف الحال في قانون الهيئات الرياضية السابق الصادر بالمرسوم بالقانون رقم (42) لسنة 1978 الذي كان قد جعل للجهة الإدارية الإشراف والرقابة على جميع الهيئات الرياضية من كل الوجوه الإدارية والمالية والفنية والتنظيمية والتدخل في قرارات مجالس إدارات تلك الهيئات وجمعياتها العمومية.

وحيث إنه بالترتيب على ما تقدم، يضحي الادعاء بمخالفة المادتين المطعون فيهما مواد الدستور المشار إليها على غير أساس صحيح، الأمر الذي يتعين معه القضاء برفض الطعن.