أنقذت «حرب غزة» الوافدين العرب خاصة، من هجوم حكومي شعبي كاسح، فقد تغير المزاج الحكومي والشعبي في الكويت بشكل لا يصدق، بعد انفجار السابع من أكتوبر في فلسطين وغزة، بين يوم وليلة!

ما لفت نظر الكثيرين حقاً تراجع المشاعر المعادية للوافدين من الدول العربية، ومحاولة اقتلاع كل وافد، والتي رافقتها حملة تشبه مطاردة الساحرات التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى، مع جهد مفتعل للتكويت المرتجل، بسرعة البرق، وعلى حساب حُسن الإدارة وجودة الأداء في أحيان كثيرة للأسف.

Ad

مأساة «غزة» أفرزت تعاطفاً جياشاً مع كل «الوافدين» فيما يبدو، أو انتقل الاهتمام إلى «قضية العرب الأولى»، وصارت الأموال والمساعدات والتبرعات والمقالات السياسية وغيرها، تتدفق براً وبحراً وجواً، وفي الجرائد ووسائل الاتصال الجماعية والإعلام المرئي والمسموع.

ولم تكترث الحكومة بالمواقف الخليجية المضادة لـ «حماس» و«الإخوان المسلمين»، ولا بتحالفات حماس وعلاقتها الوثيقة مع الكتل المعادية والدول المضادة أي للدول التي تعتمد عليها الكويت في ارتباطاتها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية كأميركا، والحماية من المخاطر التي تهددها، فقد اكتفى الكل، حكومة ومجلساً وإعلاماً ومؤسسات شعبية، بـ«حماس» و«الجهاد» وسيل التعاطف وجبهات المقاومة ودول الممانعة وغير ذلك، مما فاجأت به الكويت نفسها وشعبها وحلفاءها والكثير من الدول والمراقبين، وأظهرت من جهة أخرى مدى الفلتان الاستراتيجي وغموض الرؤية السياسية في الداخل والخارج.

بالمناسبة، هل ناقشت وزارة الخارجية الكويتية أو وزارة الإعلام أو المؤسسات الثقافية القضية الفلسطينية أو الحلول المطروحة، والموقف من «القضية»، وقضايا علاقة «حماس» بإيران وتركيا وبرنامج «الحركة» وموقف حلفاء الكويت والصراع بين «حماس» و«منظمة التحرير» داخل فلسطين وحل الدولتين وتفاصيل كثيرة أخرى؟! وهل تستطيع الكويت أن تكون مع «حماس» و«الجهاد» مثلاً حتى لو أرادت ذلك؟! الكويت مع أي جانب على الصعيد الدولي؟ وهل هي قادرة على السير في مسار واحد مع «حماس» و«الإخوان» وتركيا وإيران وغيرها؟ وهل من الحكمة في شيء أن تكون مصالح الكويت واستقرارها الاقتصادي والسياسي في ميدان، وإعلامها وميولها العلنية في ميدان آخر؟

هل «حماس» و«الجهاد» هيئات مفتوحة شفافة، وبيد الشعب الفلسطيني، دع عنك أن تكون بيدنا؟! أم أن ارتباطات «حماس» تمتد في كل دهاليز الشرق الأوسط وربما خارجه؟! وما تقييم «حماس» للكويت؟

عودة إلى قضية الوافدين واقتلاعهم من وظائفهم وتخصصاتهم، لتعيين من تنقصه في أحيان كثيرة الخبرة والتدريب بل سلامة الشهادة العلمية أو المؤهلات باسم التكويت والتوطين، وبذلك نسيء إلى سمعة العمالة الوطنية المؤهلة.

كانت الكويت تزخر بالعمالة العربية والآسيوية وغيرها، ذات النمط الثابت من الاستقرار والإنفاق المعيشي والخبرة المهنية، في القطاع الخاص والعام، ولم نتبنّ يوماً سياسة حكيمة لتثبيت ديمومتها ومضاعفة عطائها، وكنا نتخبط بين سياسة تقدم التسهيلات وتشجع الإقامة تارة، أو نشن على تلك العمالة هجمات اقتلاعية، إرضاء لمصالح شعبوية في أكثر الأحيان، وها نحن الآن متعصبون لسياسة قومية أو وطنية غير واضحة المقاصد، وبين قدرتنا على النهوض بمطالب التنمية والحفاظ على الخبرات المهنية، مقارنة بما نرى في الدول الخليجية، رغم الإمكانات الهائلة للكويت.

لقد خسرنا في اعتقادي الوافدين العرب جيدي الكفاءة من مصريين وفلسطينيين ولبنانيين وأردنيين وغيرهم لغموض مقاصدنا وانفراد التوجهات الشعبوية بتوجيه دفة الإنفاق والتخطيط، وكذلك لضعف دور القطاع الخاص في الحياة السياسية والبرلمانية، وانفتاح سوق المزايدات التي حاصرت كل ما كان إيجابياً من المكاسب.

لا اختلاف في أن القضية الفلسطينية تمر منذ حرب أكتوبر 2023 بإحدى أقسى مراحلها، وبأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى كل أشكال الدعم والمساندة، ولكن هذه كذلك مسؤولية جماعية للعالم العربي ودول العالم وبخاصة الدول الكبرى منها، و«قضية الكويت الأولى» هي حماية نفسها وترسيخ تحالفاتها، كما تفعل سائر دول العالم، ذلك أنها إن فقدت هذا الدعم الدولي من الحلفاء والأصدقاء، فإنها لن تكون قادرة على مساندة أحد.