عندما نهض الزعيم التركي القومي المتطرف، دولت بهجلي، لمخاطبة المشرعين في البرلمان، الأسبوع الماضي، توقّع الكثيرون أن تظهر مؤشرات على وجود شرخ داخل تحالفه مع «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، حيث يتعلق سبب الشرخ المتوقع باجتماع قام به «حزب العدالة والتنمية» قبل بضعة أيام مع أعضاء من «حزب الشعوب الديموقراطي» اليساري الذي يشتق في الأصل من الحركة الكردية، فكان بهجلي شخصياً قد اتّهم الحزب بدعم الإرهاب.

لكن السياسي المثير للجدل، الذي يقود «حزب الحركة القومية» في آخر 25 سنة، اتخذ موقفاً مختلفاً، فدعم إجراء محادثات حول تغيير الدستور، وقال قبل أيام: «من الطبيعي أن نتفاوض مع «حزب الشعوب الديموقراطي» في مسألة تعديل الدستور».

قبل خطابه تساءل مراسل صحيفة «يني جاغ» القومية، أورهان أوغوروغلو، عن «انهيار» الاتفاق بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» بعد الاجتماع مع «حزب الشعوب الديموقراطي»، فكتب التغريدة التالية: «هل سيدعو رئيس «حزب الحركة القومية»، دولت بهجلي، إلى إجراء «انتخابات مبكرة» في الكتلة البرلمانية غداً؟ أنقرة تهتز». فوجئ عدد كبير من المراقبين بالمحادثات بين وفد من «حزب العدالة والتنمية»، بقيادة وزير العدل بكير بوزداغ، ومسؤولين من «حزب الشعوب الديموقراطي»، في 2 نوفمبر، وقد حاولت الحكومة أن تُصوّر «حزب الشعوب الديموقراطي» في السنوات الأخيرة كجناح سياسي بارز لـ«حزب العمال الكردستاني» المحظور الذي أطلق حركة تمرد قائمة منذ 38 سنة ضد الدولة التركية، وقد صنّفته الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي كتنظيم إرهابي.
Ad


في غضون ذلك، يواجه «حزب الشعوب الديموقراطي»، وهو ثالث أكبر حزب في البرلمان التركي، دعوى قضائية للمطالبة بحلّه ومنع مئات من أعضائه من العمل السياسي، فكان بهجلي على الأرجح من أشرس الأصوات التي دعت إلى حل الحزب، وعندما ألحقت المحكمة الدستورية تعديلات إجرائية بلائحة الاتهام في هذه القضية في السنة الماضية، دعا بهجلي إلى إلغاء المحكمة بحد ذاتها.

شارك «حزب العدالة والتنمية» في محادثات مع «حزب الشعوب الديموقراطي» وحزبَين آخرين من المعارضة الأسبوع الماضي، في محاولة منه لحصد الدعم للتعديل الدستوري الذي يقترحه لحماية حق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب والحفاظ على القيم العائلية ضد ما اعتبره الرئيس رجب طيب إردوغان «تيارات منحرفة»، في إشارة إلى المثليين. في الوقت الراهن، لا يحظى التحالف بين «حزب العدالة والتنمية» و«حزب الحركة القومية» بدعم برلماني كافٍ لإحداث التغيير المقترح عن طريق البرلمان أو إجراء استفتاء حوله، وهي خطوة تعهد إردوغان باتخاذها عند الحاجة. اتّهم أنغين ألتاي، نائب رئيس كتلة «حزب الشعب الجمهوري» في البرلمان، بهجلي بـ«التناقض السياسي» في طريقة تعامله مع «حزب الشعوب الديموقراطي»، واتّهم زعيم «حزب الحركة القومية» وشخصيات من «حزب العدالة والتنمية» أكبر حزب معارِض، «حزب الشعب الجمهوري»، بدعم الإرهاب بعد إعلان تأييده لـ«حزب الشعوب الديموقراطي».

في إشارة إلى «حزب العمال الكردستاني» و«حزب الشعوب الديموقراطي»، صرّح ألتاي لصحيفة «جمهورييت»: «يتكرر القول نفسه طوال الوقت: التنظيم الإرهابي مختلف عن الحزب في البرلمان. حين يتكلمون عن «حزب الشعوب الديموقراطي»، هم يعتبرونه حزباً قانونياً مثل «حزب العدالة والتنمية»، وعندما لا يصبّ الوضع في مصلحتهم، يسارع هؤلاء إلى مساواة «حزب الشعوب الديموقراطي» بـ«حزب العمال الكردستاني»، ويحمل هذا الموقف تناقضاً سياسياً واضحاً، وهو يكشف واحدة من أكبر مشاكل تركيا».

شككت كبار الشخصيات في «حزب العدالة والتنمية» بهذه المقاربة أيضاً، فغرّد ساميل تيار، عضو المجلس التنفيذي في الحزب: «إذا كان حزب الشعوب الديمقراطي امتداداً سياسياً لـ«حزب العمال الكردستاني» ويستحق الحل، ما الذي يبرر نقاشنا معه عن الدستور»؟

وفي المقابل اعتبر الصحافي المخضرم، مراد يتكين، أن المحادثات مع «حزب الشعوب الديموقراطي» قد تُخفف الضغط عن الحزب، فكتب يتكين: «من المعروف أن بعض أعضاء «حزب العدالة والتنمية» يعارض حل «حزب الشعوب الديموقراطي»، على عكس ما يريده «حزب الحركة القومية»، يقال في الكواليس السياسية إن مسألة حل «حزب الشعوب الديموقراطي» لن تُحسَم على الأرجح قبل انتخابات السنة المقبلة، لا سيما بعد بدء الحوار الآن». سيكون منع «حزب الشعوب الديموقراطي» من دعم مرشّح معارِض من «حزب الشعب الجمهوري» في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في يونيو المقبل نجاحاً استراتيجياً كبيراً للتحالف الحاكم. يقول بيرك إيسين، أستاذ مساعِد في العلوم السياسية في جامعة «سابانجي»، في إسطنبول: «من المنطقي أن يتفاوض إردوغان مع الأكراد، إذا اقتنعوا بتسمية مرشّحهم الخاص خلال الجولة الأولى وامتنعوا عن التصويت في الجولة الثانية، سيواجه إردوغان ضربة موجعة». يتكلم إيسين عن الجهود الرامية إلى التلاعب بأصوات الأكراد عند إعادة الانتخابات المحلية في عام 2019 في إسطنبول، حين اعتُبِرت رسالة مسرّبة من زعيم «حزب العمال الكردستاني» المعتقل، عبدالله أوجلان، دعوة إلى الأكراد كي لا يدعموا مرشّح المعارضة. يضيف إيسين: «لم يكتفِ بهجلي بدعم هذه المبادرة، بل دعا الأكراد أيضاً إلى الاقتداء بأوجلان، فكان بهجلي براغماتياً جداً في دعمه للائتلاف الحاكم، وقد أبدى استعداده لدعم إردوغان في مراحل مفصلية عدة لضمان صموده السياسي».

* أندرو ويلكس