عطفاً على المقالين المنشورين على هذه الصفحة يومي الأحد 3 و10 سبتمبر من الشهر ‏الجاري اللذين تناولت فى أولهما الشورى باعتبارها فريضة إلهية ملزمة لكل من الحاكم ‏والمحكومين يأثمان إثماً عظيماً بمخالفتها، وقد نزل فيها قوله تعالى: «وشاورهم في الأمر» ‏وقوله سبحانه: «وأمرهم شورى بينهم»، وأرجعت في المقال الثاني مبدأ سيادة الأمة إلى هاتين ‏الآيتين الكريمتين، فالشورى جوهر الحكم الديموقراطي، الذي نزل به القرآن الكريم في القرن ‏السادس الميلادي، قبل الملكية الدستورية في بريطانيا في القرن السابع عشر وقبل الثورة ‏الفرنسية في القرن الثامن عشر. وقد كان مبدأ الشورى ومبدأ سيادة الأمة مطبقين في عصر النبوة والخلافة الراشدة، وفي ‏فترة قصيرة من العصر الأموي، في خلافة سيدنا عمر بن عبدالعزيز التي لم تزد على عامين ‏وبضعة شهور وأيام، أعاد فيهما روح عصر الخلافة وروح الإسلام.‏

المعجزة ومقومات الحكم في الإسلام

Ad

ولئن كنت قد انبهرت بهاتين الآيتين الكريمتين في الشورى في قصرهما، فلم تتعدّ كلماتهما الست ‏كلمات إلا أن المعاني التي حفلت بهما والتي بنى عليها الغرب أنظمة الحكم الديموقراطي ‏بأشكاله وألوانه وتكويناته المختلفة أكبر من أن تحصى وتعد، فهي نعمة من نعم الله على عباده ‏التي لا تحصى ولا تعد، فضلاً عن السنّة النبوية التي أفاضت في ذلك. ‏

‏ وقد أقر القرآن الكريم مقومات الحكم فى الإسلام، ووضع الأساس القوي المتين والحصن ‏الحصين في حكم عادل، يتمتع فيه الأفراد بحرياتهم الشخصية وحقهم في الحياة، يقول الرسول ‏عليه الصلاة والسلام: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام»، ويقول المولى عزوجل: «‏مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا ‏النَّاسَ جَمِيعاً». (المائدة 22)، كما كفل الإسلام المساواة بين الناس جميعاً، يقول الرسول عليه ‏الصلاة والسلام: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على ‏أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى»، ‏ويخطب الرسول في الناس، فيقول: «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف ‏تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت ‏يدها»، كما كفل الإسلام الحريات جميعاً وأولها وعلى رأسها والتي بنى عليها سائر الحريات ‏حرية العقيدة.

حرية العقيدة

فأول مبدأ أرساه المولى عز وجل في القرآن هو حرية الإيمان بدينه الذي أرسله هدى للعالمين، ‏في قوله سبحانه: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، (البقرة 256)، وقوله: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ». (الكهف 29)، وقوله تعالى: «قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا» (الإسراء ‏‏107)، وقوله جلت قدرته: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». (يونس 99)، فكيف ‏يكون لعبد من عباده، مهما علت مكانته، سلطان أو سطوة على سائر عباده.‏

يقول المولى عز وجل: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى». (العلق6-7) ومن قصص ‏القرآن الكريم في آياته البينات على لسان فرعون حاكم مصر: «مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ». (يونس 92)، ومقابل ذلك يقول المولى عز وجل في قصصه على ‏لسان ملكة سبأ (بلقيس): «قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى ‏تَشْهَدُونِ». (النمل 22).‏

الملك العضوض

وجاء بعد عصر النبوة والخلافة الراشدة ملك عضوض تنبأ به الرسول عليه الصلاة والسلام ‏في العصر الأموي، أو بالأحرى الدموي، وقد نكل الخليفة بكل من لم يبايعه أو من خالفه في ‏الرأي، حتى وصل التنكيل والقتل بآل بيت رسول الله.‏

‏ وقد شهد شاهد من أهلها هو الخليفة الأموي العادل سيدنا عمر بن عبدالعزيز، إذ قال رضي ‏الله عنه: ‏ ‏«لو جاءت كل أمة بخطاياها، وجئنا نحن بالحجاج وحده، لرجحناهم جميعاً».‏

‏ وقد تلاه العصر العباسي ليقتل كل من يخرج على طاعة أمير المؤمنين أو طاعة حكام العصر ‏العباسي، حتى أهل بيت رسول الله لم يسلموا من التنكيل والقتل وقد قتل الخليفة العباسي عمه ‏العباس.‏

ویروی عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أنه خطب في المسلمين قائلا: «يا أيها الناس ‏إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه ‏بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا، إن شاء الله أن يفتحني فتحني ‏لإعطائكم، وقسم أرزاقكم وإن شاء أن يقفلني عليها قفلني».‏

وقد تعاقبت على الملك العضوض في هذين العصرين حكومات إسلامية أنكرت الشورى، ‏وتنكرت لمبدأ سيادة الأمة في بطشها وتنكيلها بالمسلمين.‏

الأمر بالطاعة:‏

وقد اصطفى الملك العضوض فى كل هذه العصور بعض علماء وأئمة عصورهم الذين وجدوا ‏غطاءً شرعياً للحكام في هذه العصور للبطش والاستبداد، هو تفسير للآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ». بأن طاعة الحاكم واجبة وأنه لا ‏مكان لمن يعارض الخليفة أو يخالفه الرأي، درءاً لفتنة تهدد وحدة الأمة التي يقوم عليها نظام ‏الحكم في الإسلام، والتمس هؤلاء لتنكرهم لمبدأ الشورى الذي يخاطب الأمة بأسرها غطاء ‏شرعياً لتفسيرهم بأنهم يرهنون طاعة ولي الأمر بطاعته لله ورسوله في قول سيدنا أبي بكر ‏رضي الله عنه بعد البيعة له: «أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا ‏طاعة لي عليكم».‏

ولكنهم فى التطبيق العملي على مر العصور، اعتبروا كل ما يأمر به الحاكم وكل ما يفعله هو ‏طاعة لله ورسوله، ولو كان الخليفة ظالماً أو فاسقا أو فاجراً، فلم يجرؤ واحد منهم على أن ‏يقول كلمة حق لذي سلطان جائر، وقد نال الأئمة الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، ‏والشافعي، من الظلم والتنكيل بهم وسجنهم ما نالوه بسبب بكلمة حق قالوها للخليفة.‏ وقد برر أصحاب هذا التفسير خلو النص القرآني من الأمر بالطاعة في كلمة (أطيعوا) التي ‏تكررت في طاعة رسول الله، ولم تتكرر قبل عبارة أولي الأمر، بأن طاعة الله، ‏وطاعة رسوله بأن كلا منها طاعة مستقلة، أما طاعة أولي الأمر فهي طاعة تابعة، اكتفى ‏النص القرآني بأن يسبقها بحرف (واو) العطف، فهي طاعة تابعة لأن مناطها وشرطها أن ‏يكونوا على طاعة الله ورسوله دون معصية.‏

ومع كل التقدير لهذا التفسير الذي تبناه أيضاً علماء أجلاء نعرف فضلهم، وننحني أمام علمهم ‏الغزير، ونعلم حسن نواياهم في هذا التفسير، وأنهم لا يعضدون به استبداداً أو طغياناً في الحكم، ‏إلا أن ذلك لا يجوز معه أن يكون هذا التفسير موطئاً لتعطيل فريضتين إلهيتين في الإسلام: ‏

- أولاهما: مبدأ الشورى وسيادة الأمة، أي الحكم الديموقراطي في المصطلح الحديث وقد ‏تناولناهما في المقالين السابقين.

‏ - ثانيتهما: فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي تفتح الباب على مصراعيه ‏للمعارضة السياسية للحاكم، بل تفتح الباب لتعددية سياسية، لتنظيمات المجتمع المدني من ‏نقابات وجماعات وأحزاب.‏

وفي هذا السياق يذهب المفكر الإسلامي الراحل د. محمد عمارة إلى أن المعارضة السياسية ‏المنظمة لا تنهض الجماعة الإ بها، وتجد أساسها فى فريضة إلهية أخرى من فرائض الإسلام ‏هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويضيف أن مصطلح الحزب غير بعيد عن التراث ‏الإسلامي، ولا هو بالوافد الطارئ على حضارتنا الإسلامية التي مثلت العمران المصطبغ ‏بصبغة الإسلام، وأن كل الفرق الإسلامية قد نشأت نشأة سياسية، وكانت تيارات وتنظيمات ‏سياسية، أو كانت السياسة واحدة من أبرز مهامها وسمتها، فهي بمنزلة أحزاب سياسية. ‏‏(الإسلام هو الحل ص86-100).‏

ويقول د. سيف الدين عبدالفتاح «إن الأمر بالمعروف حوصر في نطاق الأخلاق دون غيره، ‏إلا أنه عند عموم أهل العلم، مصطلح سياسي بالدرجة الأولى». (التجديد السياسي والواقع ‏العربي المعاصر... رؤية إسلامية ص364)‏

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.‏