يُنقل عن الفقيه والخطيب الروماني ماركوس سيسرو «شيشرون»، المولود عام 106 قبل الميلاد، قوله إن بلاغة المحامي تتمثّل في مقدرته على تحرير «القضاة من أي قساوة أو تجهّم» بمعنى الاقتراب من وجدانهم بخطاب قانوني يحاكي عقلهم ويلامس مشاعرهم.

فالوقوف أمام قوس المحكمة للدفاع عن متهم أو لتثبيت إدانته، من أصعب ما يمكن أن يوكل للمرء من مهام، إذ يقف المحامي في حضرة قضاة صارمين، مقبلاً بشجاعة وطلاقة وثبات، مديراً ظهره لجمهور مترقّب، مشهراً سيف القانون ليقطع به دابر الظلم أو ينتزع بحدّه حقاً من مغتصب، مكافحاً من أجل إحقاق الحق وترسيخ العدالة.

Ad

يؤمن شيوخ المهنة، كالمحامي والسياسي الفرنسي الشهير فرناند لابوري، المتوفى قبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى، أن ضمير المحامي يتعرض لثلاث حالات، فإما أن يكون على قناعة تامة بأحقية موكله وهذه الأسهل، وإما أن يكون متيقناً من إدانته، ومهمته في هذه الحالة لا تكون بالتدليس على القاضي بأساليب ملتوية وبمهارات مخادعة بل بإجهاد النفس في سبر أغوار القضية لإيجاد أسباب تخفيفية للمتهم، أما الحالة الثالثة فتتمثّل بعدم استطاعة المحامي- رغم دراسته الدقيقة لوقائع وملابسات القضية- أن يقطع برأي فيها، وفي هذه الحالة يملي القانون عليه واجب بذل العناية لحمل القضاة على أن يؤيدوه في شكوكه التي يجب أن تفسّر قانوناً لصالح المتهم ولا سيما في القضايا الجنائية.

المحاماة إذاً هي علم وفن ومهارة وأخلاق، ولكل علم فقهه، ولكل فنّ معارفه، ولكل مهارة أصولها، ولكل ممارسة أخلاقها، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بمهنة رفيعة تمثّل أحد جناحي العدالة، لها تاريخ مجيد من العراقة وحضور مضيء يمتد رونقه إلى آفاق رحبة، تبدأ من بلاط المحاكم ولا تنتهي عند القضايا الوطنية العامة؟

وها هو الأستاذ شريف محمد بدر، المحامي بمحكمة النقض المصرية، يشاركنا من خلال مؤلفه- الذي يحمل عنوان المقال نفسه- بعضاً من مكنونات علمه وشيئاً من خفايا خبرته بالكتابة المهنية والمرافعات الشفهية في أروقة العمل القانوني والمحاكم المصرية والكويتية، فشكّل كتابه، الصادر حديثاً عن دار الأهرام للإصدارات القانونية والنشر والتوزيع، إضافة مميزة للمكتبة الحقوقية وخطاباً إنسانياً نبيلاً توجّه من خلاله لمن اعتبرهم أصدقاء لا منافسين بكل ما اكتنزه من علم واكتسبه من خبرة وادّخره من مهارات محصّنة بالأخلاق المهنية.

لقد لفتني الكتاب بعنوانه بقدر ما شدّني بما احتواه من نصائح منطلقة من قناعة راسخة لدى الكاتب بأن «القضايا كبصمات البشر، إذ لكل قضية ذاتيتها وأشخاصها ووقائعها»، الأمر الذي يضيء على حجم المسؤولية الكبرى التي تقع على عاتق من يحمل لقب «أستاذ» في حسن تعامله مع كل ملف من ملفاته، ليس كوسيلة استرزاق بل كواجب مهني يسعى من خلاله الى إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ومعاقبة المرتكب، فكل قضية جديدة تتضمن «تحدياً جديداً وفرصة ذهبية لإثبات الذات وإظهار الملكات والقدرات»، وذلك ما يرتبط عضوياً بـ«هرمون القانون»- الذي تفرّد الكاتب بالكشف عنه لأول مرة- معرّفاً بمحفزات إفرازه ومدى تأثيراته على «علم المحاماة». تضمن الكتاب عدّة أبواب جالت بنا في ميادين مهنة المحاماة لتعرّفنا على ما يستقيم به الدفاع المكتوب والمرافعة الشفهية والمواصفات التي يجب أن تتوافر في المحامي للناجح المتكامل في مهنة قد يحيط بها بعض الشبهات حول صفاء حقيقتها وسمو أهدافها وأصول ممارستها، وقد يتعمّد البعض من خلالها «خلط الحق بالباطل» وخصوصاً أن «الحقيقة المطلقة مسألة يقتصر العلم بها على المولى عزّ وجلّ».

خاطب المؤلف صديقه المحامي بجملة من النصائح التي صاغها بوجيز العبارات وجزيل البلاغة والدلالات، مشدداً من خلالها أنه «إذا انضبطت القواعد ارتفعت الصروح» في مهنة «تمارس ولا تحتكر»، يستفيد فيها المبتدئ من خبرات من سبقه إليها ليصبح فيما بعد «صاحب علم حقيقي ومكانة مرموقة يشار إليها بالبنان»، ولعل من أروع الرسائل المباشرة التي تضمنها الكتاب قول مؤلفه «ولتعلم يا صديقي المحامي أن لغتك القانونية المنضبطة، وقدرتك على إقناع المحكمة وإثبات ما تدّعيه، هما أول ما تملك، وآخر ما تملك، وكل ما تملك»، فأنت «رجل لا سلطان ولا سلطة لك»، تتعامل مع السلطات الثلاث «بمختلف وأعتى صورها، ولا تملك في مواجهتها إلا علمك وما ينطق به لسانك أو يخطه قلمك».

يبدأ التميّز لدى المحامي من أولى لطائف استقباله لـ«الزائر» الذي يلجأ اليه مستنجداً، ولا يقف عند إبلاغ «موكّله» الحكم الذي يمثّل عنوان الحقيقة، فهو يشمل حسن إحاطته بأدق التفاصيل، وإجادة قراءته للمستندات والأوراق، وسداد إعطائه للمشورة، وبراعة كتابته القانونية التي يجب، أن تكون «عصية على القراءة السريعة» بالغة ذروة سنامها بالإجادة في الصياغة من «المقدمة الخاتمة» إلى «الخاتمة المقدمة»، وذلك مع الأخذ بالاعتبار الفروقات التي تميّز مذكرة رأي داخلية في الجهات الحكومية عن صحيفة دفاع أو طعن قضائي، مع التأكيد على أهمية الالتزام بالـ«ثوابت» التي وضعها و«المفاتيح» التي صنعها أساطين المهنة، والتيقن بأن «أحكام المحاكم العليا وآراء الفقه القانوني هي مبتدأ عمل المحامي المجتهد».

وانطلاقاً من قناعته أن «في لغتنا العربية متسعاً من البيان كالفيضان» يوضح الكاتب أوجه الاختلاف بين المرافعة الشفهية والدفاع المكتوب ناصحاً في كلا الحالتين بضرورة تحاشي الأخطاء وحسن اختيار الألفاظ، ودقة استخدام المصطلحات، ورشاقة انتخاب التعابير، رابطاً في كل ذلك بين غزارة القراءة من جهة والارتقاء بدرجات المعرفة ومستويات المهنة من جهة أخرى، مشدداً على أهمية عدم «تملق المحكمة مع ضرورة مخاطبتها بالاحترام الواجب» واختيار اللفظ المناسب، إذ من الواجب أن تتضمن أساليب التعامل القانوني نصيباً من الكتابة الأدبية وجزيلاً من أدب المخاطبة.

ورغم تميّز هذا الكتاب الذي حاول من خلاله المؤلف أن يملأ شيئاً من الفراغ السائد في حقل الكتابات الجدّية الهادفة إلى الارتقاء بمهنة المحاماة، فقد أختلف مع صاحبه في المنطق التسلسلي الذي ساق من خلاله التقسيمات الرئيسة والفرعية، إذ كنت أفضّل أن تقدّم بعض العناوين على أخرى، في حين بدا لي الفهرس كأنه باقة جمع فيها «من كل بستان زهرة»، هذا بالإضافة الى ما لاحظته من نواقص كنت أتمنى أن يتطرق لها تفصيلاً كإرشاد المحامين المتدرجين إلى كيفية تخطيهم بعض الصعوبات المهنية والإجرائية مادياً ومعنوياً، هذا بالإضافة الى احتواء صفحات الكتاب على بعض الأخطاء المطبعية والهنّات غير المقصودة، والعذر لكل ما سبق مقولة العماد الأصفهاني «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلا قال في غدِه: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».

* كاتب ومستشار قانوني.