يعدّ مونتسكيو أحد أهم مفكري الفلسفة السياسية الغربية، وقد كان له تأثير كبير على المفكرين والباحثين والمشتغلين بالعلوم الاجتماعية والعلوم السياسية والفلسفة بشكل عام منذ عصر النهضة الأوروبي إلى يومنا الحالي، ومن أشهر مؤلفاته كتاب «روح الشرائع» الذي نشر عام 1748 فحظي بشهرة واسعة وتأثير لافت نظراً لجرأة طروحاته وعمق أفكاره التي ما زالت تدرس حتى يومنا هذا في معظم الجامعات والمعاهد العليا.

تناول مونتسكيو في كتابه «روح الشرائع» نظم الحكم المعروفة، مفرّقاً بين المَلَكيَّة التي يرث فيها الحاكم السلطة ممن يسبقه، والدكتاتورية التي تنحصر السلطة فيها بيد حاكم واحد متسلط لا يقيده قانون ولا تردعه قيم، والنظام الجمهوري الذي يفضّله مونتسكيو كونه يمكّن الشعب من حكم نفسه من خلال ممثلين ينتخبهم ويراقبهم وفق آليات ديموقراطية.

Ad

وقد فصّل مونتسكيو متطلبات الحكم الأمثل، وأهمية الدساتير المكتوبة وفاعلية القوانين المسنونة فيه لحماية حرية المواطنين وضمان حقوقهم الأساسية، مما يقتضي لزاماً تكييف النصوص وتطبيقها بما يتناسب مع التنوع الثقافي والأعراف المجتمعية والعادات المحلية، وبما يتوافق مع مبدأ التسامح المجتمعي والتضافر الجماعي، ولتحقيق ذلك يجب الفصل بين السلطات: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، مع الحفاظ على التوازن بينها، مما يعدّ أحد أهم الوسائل القانونية التي تجنب الاستبداد وتضع حدّاً للطغيان وتكافح أي نزعة لتجاوز حدود السلطة.

***

وفي موروثنا الحضاري، يشعّ اسم العلامة ابن خلدون الذي يعدّ من أهم من كتب عن الحضارة والمجتمع في العصور الوسطى، مؤكداً في ما طرحه من أفكار عميقة وغير مسبوقة في وقتها على أهمية الثبات السياسي والاستقرار المجتمعي في جو يحترم الحريات ويصون الحقوق، كضرورة لإنشاء مجتمع يسوده العدل ويحكمه التوازن بين السلطات الحاكمة من جهة والحكام والمحكومين من جهة أخرى.

تتجلى فرادة ابن خلدون في تفصيله لمبدأ «توالي الأجيال» الذي يشرح من خلاله كيف يمر المجتمع بدورة التطور والانحدار تبعاً لسمو أو تدني مستوى الالتزام الديني، والأخلاقي، والتعليمي، والتضامن الاجتماعي، والتوزان السياسي، مع التركيز على دور العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تطور المجتمعات.

الدولة، في فكر ابن خلدون، هي مؤسسة تنشأ في المرحلة المتأخرة من تطور المجتمعات البشرية عندما يتحد المجتمع لتحقيق مصالحه المشتركة وتوفير الأمن والعدالة، بمعنى آخر أن الدولة التي تُنشأ في بداية تكوين المجتمع تكون منخفضة في المرتبة وضعيفة في القوة، لكنها تبقى قابلة للتحسن التدريجي إذا توافرت شروط تنمية المجتمع وتعزيز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وفي جميع الأحوال، ومع مرور الوقت وبلوغ الذروة، تشيخ الدولة وتفقد القوة والحكمة عند تحول الحكم فيها إلى الاستبداد وتكريس نهج الحفاظ على السلطة وتحقيق المكاسب الشخصية.

من جانب آخر، يعدّ صانع علم الاجتماع أن السلطة هي عبارة عن توزيع للقوة والنفوذ في المجتمع، وهي تنشأ من قوة الناس وقدرتهم على تحقيق الغايات المشتركة والتعاون الاجتماعي، وانطلاقاً من قناعته أن المجتمعات تمر بدورات من الارتفاع والسقوط، وتتأثر- أفراداً وجماعات- بالعوامل الثقافية والدينية والبيئية، يصبح من الراجح أن يسير الأشخاص الذين يمتلكون السلطة والقوة المركزية في نهج السيطرة على حساب حقوق الآخرين، وعندما يظهر الفساد والاستبداد يهدم المجتمع نفسه من الداخل وتنهار الدولة.

***

وعلى الرغم من أن العالمين الكبيرين كانا يعيشان في عصرين مختلفين وشهد كل منهما ظروفاً ومجتمعات تتنافر في كثير من مظاهر العيش والقناعات والتركيبة النفسية والذهنية، يلتقي مونتسكيو مع ابن خلدون في كثير من المسائل ذات الصلة بالمقاربة والمضمون.

فعلى صعيد المنهج العلمي الذي قارب العالمان من خلاله الأفكار التي طرحاها، اعتمد كل منهما على نظرة شاملة للمجتمع وأحواله، واستخدما الاستنباط المنطقي والتركيز على العلاقة السببية لتأصيل نظرية خاصة بكل منهما، ويعني ذلك أن كلا العالمين استخدم المنطق العلمي في ملاحظة وتحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية والسياسية، مركّزين فيها على العلاقات السببية والتأثيرات المتبادلة بين المتغيرات الاجتماعية والسياسية والحكم، بغية الوصول إلى استنتاجات عامة تظهر القوانين العامة للمجتمع والسلطة والدولة، مؤسسين في كل ذلك لنظريتين ما زالتا ساريتين لأيامنا، حيث يرتبط اسم مونتسكيو بنظرية «فصل السلطات» وينسب إلى ابن خلدون نظرية تطور المجتمع والتأثيرات الاجتماعية والبيئية على تشكل الحضارات.

ولناحية الأفكار والطروحات ذات الصلة بالمجتمع والسلطة والسياسة، القناعة ثابتة لدى الاثنين أن أحوال الأمم والدول وتشكيل السلطات والنظم السياسية تتأثر سلباً وإيجاباً بالسلوك والأنماط والمتغيرات الفكرية الاجتماعية والثقافية السائدة، وقد حذّر ابن خلدون من مخاطر العصبية، وربط بين مستوى الاستقرار السياسي ومستوى التضامن والتعاون المجتمعيين، في حين فصّل مونتسكيو في تأثير الدين والعادات والأعراف على تشكيل المنظومة التشريعية وتثبيت الأنظمة والمؤسسات السياسية، مؤكداً على التأثيرات السلبية للاستبداد والطغيان وعدم احترام الحقوق والحريات على ثبات الحكم.

في جانب متصل، تبنى العالمان- كل بطريقته وأسلوبه- فكرة الحكومات التمثيلية، حيث دعا ابن خلدون الى أن يكون الحكم بيد الغالبية من السكان لتجنب البغي، في حين ركّز مونتسكيو على فكرة أن «السلطة تقيد السلطة» وبرهن حاجة الأنظمة السياسية المختلفة للحكومات المنتخبة وتطبيق مبدأ الفصل بين السلطات الذي يضع حداً لأي ميل لدى صاحب السلطة على تجاوز حدودها.

وفي خلاصة النظرة المشتركة لكل من ابن خلدون ومونتسكيو فإنهما على قناعة بأن من النتائج الطبيعية للحكم المنظم للمجتمع وتوزيع السلطات مع الفصل والتوازن بينها، تحقيق العدالة والحرية ومنع التعدي والاستبداد، مما يؤدي حتماً الى استمرار السلطة والدولة والحضارة، وبخاصة أن المجتمعات المتنوعة التي تسودها بيئة عادلة ومتوازنة تتميز بالازدهار والاستقرار، في حين المجتمعات القمعية والمتشددة يتحكم فيها الاضطراب ويحكم عليها بالزوال.

* كاتب ومستشار قانوني