«شرّ البليّة ما يضحك!» استذكرت هذه المقولة عندما لفت انتباهي ترداد عبارات تهكمية في كثير من «قعدات» اللبنانيين، مفادها أنه لو سُئلت منصّات الذكاء الاصطناعي عن تعقيدات الوضع اللبناني لعجزت عن الرد ولأصيبت بشلل تام في شبكاتها العصبونية ولتداخلت خوارزمياتها بشكل غير مسبوق.

قادتني نفسي «الأمّارة بالسوء» الى زيارة أحد أشهر مواقع الذكاء الاصطناعي طالباً رأيه حول الوضع اللبناني، فما كان منه إلا أن قابلني بإجابة لم أستغرب ما تضمنته من توصيفات سلبية لجميع الجوانب السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية، ولم تفاجئني بما ذكّرت به من حروب وأزمات وأهوال تتعلق بتصدع الوحدة الوطنية وانهيار الخدمات العامة وبتعارض المواقف حول بعض الملفات الحساسة كالتنمية المتوازنة والفدرالية الموسّعة وشغل المواقع السياسية والهجرة واللجوء... إلخ، ولعل ما يلخّص جيداً موقف الذكاء الاصطناعي هو ما أورده في مقدمة سرده، حيث اعتبر أن «الوضع في لبنان معقد وصعب للغاية، فمنذ عام 1975، يواجه لبنان أزمات متكررة وخانقة، تتعدد وتتشابك أسبابها، وهي تتطلب حلاً شاملاً وجذرياً وجهوداً دولية وداخلية تساهم في التخفيف من حدتها...».

Ad

الحقيقة، أن ما توصل إليه الذكاء الاصطناعي يتطابق تقريباً مع النتيجة التي انتهت إليها بعثة المعهد الدولي للبحث والتدريب والتعليم IRFED الذي أسسه الأب الفرنسي «لويس جوزف لوبريه»، حيث قامت بتكليف من الرئيس «فؤاد شهاب» بعثة «إرفد» في مطلع ستينيات القرن الماضي بعمليّة مسح شامل للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في لبنان بهدف وضع خطة إنمائية شاملة، وقد نسب إلى البعثة خلاصة- طريفة لكن مؤلمة- مفادها «أن جميع النظريات العلمية القابلة للتطبيق في دول العالم لا يمكن تطبيقها في لبنان»!

وهذا ما قد ينمّ عن خاتمة التقرير التي نقل منها حرفياً مدير مركز التراث في الجامعة اللبنانية-الأميركية الكاتب هنري زغيب أن «أَكثر ما ينقص لبنان مسؤولون ينصرفون مخلصين الى الشأن العام، يعملون معاً في جميع القطاعات فيحلون المشاكل المتعدِّدة وطنياً وإِنسانياً، وما لم تَقُم ذهنية جديدة من نخبة لبنانية شابة فتُطلق ثورة فكرية وأَخلاقية تعمّ البلاد، سيبقى الإِنماء هشّاً، ويعجز لبنان عن أَداء دوره الداخلي المتين والدولي الرسالي: مركزاً حضارياً فريداً، ولا نجاح إلى فرادته إِذا اصطدم هذا الدور بتنامي السياسات الفردية الأَنانية المدمّرة، ووحدَه العمَل الجَماعي الوطني الشامل هو الذي يُنقذ روح الأُمة اللبنانية».

ولعله من المفيد التذكير في هذا الإطار أن في زمن الاستعانة ببعثة «إرفد» كان لبنان مستحقاً للقب «سويسرا الشرق»، في حين أنه في زمن الذكاء الاصطناعي أصبح في أدنى سلم الدول الطامحة للنمو، مما يؤكد أن هذا البلد الفريد كان ولا يزال- في جميع أحواله وأزمانه- «بلد العجايب».

***

في بلد العجائب هذا لا أستغرب سؤال الكثيرين من زوار لبنان والمتابعين لأحواله عن حقيقة الوضع في لبنان الذي من المفترض أنه يشهد أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه، في ظل فراغ رئاسي وعجز حكومي وتعطيل نيابي، وشلل إداري، وترهل خدماتي، وانهيار تاريخي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي، في حين تضج الحفلات الغنائية بآلاف الحاضرين، وتعج المطاعم والمقاهي المشهورة بكمّ ملحوظ من الرواد، وفي وقت نلاحظ استخدام اللبنانيين للعملة الخضراء في تعاملاتهم الاستهلاكية اليومية نتيجة سياسة «الدولرة» التي فرضت نفسها على الأسواق!

قد يرى البعض أن لبنان واللبنانيين بألف خير، في حين أن الحقيقة تسطع بغير ما قد يشي به ظاهر الحال، إذ إن أحوال النسبة القليلة من السيّاح والأثرياء والمغتربين الذين يشغّلون اقتصاد بعض المرافق والأسواق، لا يمكن تعميمها على أحوال ملايين اللبنانيين الذين اقتربوا من خط الفقر، والذين ما زالوا يصارعون الحياة بفضل نعمتين- هما نقمتان في الوقت نفسه- واحدة ذات صلة بمهارات التأقلم وابتداع الحلول التي يبدو أنها من الموروثات الجينية اللبنانية، والثانية تتعلق ببعض الهندسات المالية والسياسية التي يحرص من خلالها أصحاب القرار الداخلي والخارجي على عدم إيصال الوضع اللبناني الى الانهيار في حين لا يستسيغون أن يصلوا به الى الاستقرار.

فلبنان وشعبه ليسوا بخير، وللأسف فإن الأمر ليس بجديد! تختلف الأزمنة، وتتنوع الأزمات، وتتبدل الأوجه، ويتعدد المسؤولون... أما المعاناة فواحدة، والخلاصات متماثلة، ولا حلول جذرية إلا عندما تتغير المسببات التي بررّت النتائج التي انتهت اليها بعثة «إرفد» في عام 1961 والذكاء الاصطناعي في عام 2023.

***

الوضع اللبناني المتردي، يتطلب جرأة في التوصيف والحلول... فإذا ما انطلقنا من مقولة «كلّن يعني كلّن» لتبرير «التنحية» أو «المقاضاة» لمن يستحق ممن شارك في الحكم- بخير أو بشر- على مدى أربعين عاماً، وإذا ما استسلمنا لقاعدة أن القوى الإقليمية والدولية تساهم بشكل كبير في صناعة حاضر لبنان ومستقبله، كما أثرت في تاريخه، فإنه ينتظر من الدول الشقيقة والصديقة أن تسعى جدّياً الى فرض حل شامل وراديكالي تقوم مرتكزاته الرئيسة على فكرة البحث عن نخب جديدة تتمتع بإرادة كافية ومقدرة كاملة على سرعة اتخاذ بعض الخطوات الجريئة والضرورية وربما المؤلمة، ولا تمتّ بأي صلة للقادة والزعماء والأحزاب والتيارات التي يلتصق بها تاريخ غير مشرف وطائفية غير محمودة.

أولى خطوات الإصلاح تبدأ بحوار وطني شامل وعميق وصادق ينتهي بإرساء نظام سياسي جديد، أكثر شفافية وشمولية، وأصدق تعبيراً عن الديموقراطية الحقيقية ومبادئ العدالة والمساواة بين المواطنين، وهذا ما يفترض التوافق على قانون انتخابي عادل يعكس إرادة الشعب ويؤمن تمثيلاً حقيقياً لا طائفياً، لكل مكونات المجتمع اللبناني وسكان المناطق المختلفة، بصرف النظر عن مذاهبهم أو ميولهم الدينية أو العقائدية.

ومن ثم تتبلور أهمية الإسراع ببعض الإجراءات الواجب اتخاذها بشكل متزامن ومتوازن، ونذكر في هذا الإطار، التطبيق الفعلي والصارم للقانون، مكافحة الفساد، تعزيز دور الهيئات الرقابية وتمتين أواصر الشفافية في العمل الحكومي والإداري، بالإضافة الى أهمية مباشرة الإصلاح الاقتصادي والمالي والمصرفي، وتطوير البنية التحتية والخدمات العامة التي تتطلبها خطة التنمية المتوازنة في المناطق كافة، ودعم القطاعات المنتجة محلياً وتشجيع الاستثمارات الوطنية والأجنبية، ناهيك عن ضرورة تطوير التعليم وتحسين جودة الرعاية الاجتماعية والصحية وتشجيع المشاركة المجتمعية ودعم المبادرات المحلية.

* كاتب ومستشار قانوني.