من النعم التي لم نحسن استغلالها أن منطقتنا الشرق أوسطية هي واحدة من أبرز المناطق الاستراتيجية التي ترتبط بها، وجدانياً وفعلياً، شعوب وحضارات وأديان العالمين القديم والحديث، حيث تغزر فيها الموارد الطبيعية وتبرز في مجتمعاتها الطاقات البشرية، فتتقاطع فيها كثير من المصالح السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة والمتنوعة.

وعلى مر العقود الأخيرة، شهدت هذه المنطقة سباقاً محموماً للسيطرة عليها بين دول جانبي المحيط الأطلسي من جهة، والدول الشرقية من جهة أخرى، وفي صدارتها روسيا الاتحادية ومن ثم الصين، إلا أنه منذ انهيار جدار برلين تصدّرت الولايات المتحدة الأميركية هذا السباق، حيث فرضت نفوذاً سياسياً وعسكرياً واسعاً على المنطقة، فأنشأت عدداً من القواعد العسكرية فيها، وربطت نفسها عضوياً بمصالح الكيان الصهيوني، ودخلت في شراكات استراتيجية تعزز هيمنتها وتخدم مصالحها الآنية والاستراتيجية.

Ad

إلا أنه، مع تبدّل موازين القوى الدولية بما يتمثل بتراجع الحضور الأميركي في الساحات الدولية نتيجة تراكمات داخلية وخارجية، ومع ارتباك الاتحاد الأوروبي ومن مظاهره انقطاع علاقته مع المملكة المتحدة ودخوله في نزاع مسلح مع روسيا «بوتين»، وفي ضوء ما يظهر من إرهاصات فهم عميق وتعامل دقيق لدول المنطقة مع توازنات القوى المستجدة ولعبة المصالح الدولية، وهو ما تجلى بشكل واضح في «قمة جدّة» العربية وما سبقها ورافقها وسيلحقها من أحداث وتفاهمات ومصافحات، يبدو أن الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقتنا العربية، يجهّز نفسه للانتقال التدريجي من هيمنة الأحادية الغربية الى التعددية القطبية.

الا أن هذا الاستنتاج، الذي قد يبدو متسرّعاً في بعض جوانبه، يتطلب تحليلاً عميقاً لأسبابه وتتبعاً دقيقاً لنتائجه في المستقبلين القريب والبعيد.

فمنذ نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، شهدت الساحة العالمية تحولات هائلة وأحداثا مهمة ساهمت في سيطرة الولايات المتحدة الأميركية على السياسة الدولية وعلى سياسة الشرق الأوسط ضمناً، الأمر الذي ساعد فيه «عدم اليقين» السياسي والاقتصادي الذي طبع قيام وحياة الاتحاد الأوروبي، ومن ثم تحّكم فكر ومصالح «الجمهوريين الجدد» بالسياسات التوسعية للولايات المتحدة التي نشرت جيوشها في أفغانستان والعراق ودول الشرق الأوسط عامة بقوة ووضوح.

وبالرغم من أن سياسات التوسع العسكري والهيمنة الاقتصادية أدت الى تثبيت ركائز الوجود الأميركي في منطقتنا، فإن دوام الحال من المحال، حيث تشير التقارير الى أن الحروب التي خاضتها أميركا كبّدت خزينتها مئات المليارات من الدولارات، مما أدى داخلياً الى تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والى تراجع في سياسات التقديمات الحكومية، الأمر الذي تناقض مع الاستفادة الخاصة لبعض السياسيين والشركات العملاقة من هذه الحروب التي أثارت جدلاً واسعاً في شأن شرعيتها الدولية ومبرراتها الواقعية وانعكاساتها على الولايات المتحدة الأميركية من الداخل وعلى علاقاتها الخارجية.

فقد أسهمت الحروب الأميركية في زعزعة العلاقات الدولية للولايات المتحدة حتى مع بعض حلفائها التقليديين، مما أضعف الثقة في صداقتها وشكك في مصداقيتها، وأساء إلى بريق شعاراتها المرتبطة تقليدياً بالديمقراطية والحقوق والحريات، وقد كان للصور المسربة من داخل سجون «غوانتانامو» وقع سيئ على الصورة المتعوب عليها لحضارة «العم سام»، الأمر الذي لا يقل سلبية ولا خطورة عن المساهمة الأميركية الواضحة في ترويج ما سمي «الاسلاموفوبيا» وتأجيج الصراعات المذهبية والعرقية بين شعوب المنطقة!

من جانب آخر، تعرضت الولايات المتحدة الأميركية لأزمة مالية كبيرة في عام 2008، تلتها عدة أزمات ارتدادية أو منفصلة، كان آخرها أزمة البنوك في العام الجاري، مما انعكس في مجمله على الاقتصاد الأميركي بشكل كبير، حيث تصاعدت معدلات البطالة وتراجع النمو الاقتصادي، مما أجبر الحكومات المتعاقبة على تبني حزمات تحفيز اقتصادي وسياسات نقدية مكلفة بهدف استعادة الثقة بالاقتصاد ودفع عجلة النمو، وهذا ما ترافق داخلياً مع صراعات سياسية حادّة وغير مسبوقة بين الحزبين الرئيسين كان من محاورها الداخلية اختلاف وجهة التعامل مع الصراع الطبقي والخلل الاجتماعي المتزايد في عدد من الولايات.

وبمقابل التراجع الظاهر للوجود الأميركي، تصاعد الدور المؤثر لدول الشرق- وفي مقدمتها الصين- على الساحة الدولية، الأمر الذي تجلى في حضور بارز في أروقة المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين، وفي قدرة مميزة على تشكيل التحالفات والشراكات الإقليمية، وفي استقلالية وتمايز في المواقف من القضايا الدولية، ناهيك عن تنامي التأثير الشرقي في الاقتصاد العالمي وميادين الاستثمارات الأجنبية المباشرة، هذا بالإضافة الى طموحات «القيصر» بوتين باستعادة أمجاد الامبراطورية الروسية الغابرة بكل الوسائل السلمية وغير السلمية، ناهيك عن صعود نجم بعض الاقتصادات القائمة على التقدم التكنولوجي كاليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى الجهود الحثيثة التي تقوم بها بعض دول المنطقة كإيران وتركيا وبعض دول الخليج العربي لتثبيت حضور مميز لها على خريطة الدول النامية والمؤثرة إقليمياً ودولياً.

وهكذا، يلاحظ المراقبون ويراهن المترقبون على تحول تدريجي واضح في السياسة الدولية من الأحادية إلى التعددية، ومع ذلك، من التهور إغفال الدور المؤثر الذي ما زالت تؤديه الولايات المتحدة الأميركية بقوة في كل النواحي العسكرية والاقتصادية والإعلامية والثقافية، ويكفي أن نشير في هذا الإطار الى اعتماد عالمنا المعاصر على الشبكة العنكبوتية، وتأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي في يوميات شعوب العالم، ناهيك عن ارتباط العملات والمعادن والبترول بالعملة الخضراء، اضافة الى تحكم النظام المالي والمصرفي الأميركي بإيقاع الحركة المالية في العالم.

بصفة عامة، يمكن رؤية تحول السياسة العالمية نحو تعددية الأقطاب كمؤشر على نضوج النظام الدولي الجديد، إذ إن القوى النامية الجديدة، وفي مقدمتها العربية والشرق أوسطية، تسعى إلى تثبيت هويتها السياسية والثقافية والاقتصادية بشكل مستقل عن القوى التقليدية، وهذا يعني ضرورة تحقيق التوازن والتعاون بين الأقطاب المختلفة لتحقيق الاستقرار والتنمية المستدامة على الصعيد العالمي، مما يتطلب قدرة أكبر لدى الدول والمؤسسات الدولية على التكيّف مع التغيرات والمضي في سياسة الحوار والتفاهم المؤسسة لعالم أكثر عدلاً واستقراراً وسلاماً.

* كاتب ومستشار قانوني.