بعد نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تسارعت جهود تنظيم الأولويات وترتيب أجندة مجلس الأمة لتسريع الإنجاز، حيث تعهد عدد من النواب بتنفيذ برنامج سُمي بعمل الأمة، وتبع ذلك اتفاق بين 49 نائباً على عدة خطوط عامة وبعض التفصيل للاقتراحات التي سيولونها الأولوية.

ومع أن الاتفاق والتفاهم بين النواب أمر محمود، لكن هل فعلاً ما تم الاتفاق عليه يمثل فعلياً ما تحتاج إليه الأمة من إصلاحات أم هي في الغالب مجرد إبر تخدير؟

Ad

في البداية، هناك من الأولويات ما يعتبر فعلاً مهماً مثل القضايا المتعلقة بالحريات كالحبس الاحتياطي، والمطبوعات والنشر، وقانون المسيء، إضافة إلى الحقوق المدنية لغير محددي الجنسية، والقوانين المتعلقة بالقضاء وأبرزها مخاصمة القضاء، وأخيراً مكافحة احتكار الأراضي وتنظيم الوكالات العقارية.

لكن في الوقت نفسه هناك اقتراحات قد يكون ظاهرها جميلاً ومفيداً لكنها فعلياً سيكون لها سلبيات كثيرة أو لن تكون مفيدة في أحسن الأحوال، وأبرزها ما يسمى بقوانين الإصلاح السياسي. فمع أن قانون المفوضية العليا للانتخابات مهم حتى تكون هناك شفافية أكثر للعملية الانتخابية، لكن هناك مبالغة في قدرة تغيير النظام الانتخابي على إحداث التغيير المرجو.

فسبق أن بشرتنا جميع النخب السياسية بالإصلاح السياسي بتغيير النظام الانتخابي إلى خمس دوائر، لكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث ساءت الأوضاع أكثر، لأن العيب ليس في النظام الانتخابي بالدرجة الأولى لكن في الريعية السياسية التي حوّلت مجلس الأمة إلى حلبة صراع بين فئات المجتمع على كسب المزيد من النفوذ والوظائف والمزايا المالية، ولن يحل ذلك قانون القوائم النسبية المقترح الذي قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.

ومثال آخر، وهو قانون المدن الإسكانية، والتي أوضحنا في مقال سابق بـ «الجريدة» تحت عنوان «قانون المدن الإسكانية سراب جديد» عيوبه الكثيرة. فالمسألة ليست مجرد ملاحظات يمكن معالجتها، بل خلل أساسي في هذا القانون، لأنه يحاول المزاوجة بين توفير السكن بأقل الأسعار وفي الوقت نفسه تحقيق ربح للمواطن المكتتب بالشركة إضافة للشريك الاستراتيجي! فعندما يكتتب المواطن في هذه الشركات بالقيمة الاسمية بينما يتنافس المطورون العقاريون على الحصة الاستراتيجية بالمزايدة، فهذا يعني أن هناك تكاليف مالية كبيرة على الشريك الاستراتيجي الفائز، ولن يستطيع تعويضها إلا عن طريق رفع أسعار العقارات أو الأراضي التي تمتلكها الشركة المزمع إنشاؤها.

أما فرض الضريبة على الشركات، فهو قانون مستحق، لكن ليس في ظل الأوضاع الحالية، إذ يعاني القطاع الخاص سوء بيئة الأعمال وطغيان البيروقراطية والرقابة والتفتيش. فالضريبة يجب أن تُفرَض مقابل توفير بيئة عمل صالحة للقطاع الخاص، وسهولة الإجراءات، وتوافر الفرص الاستثمارية، والأفضل أيضاً ربطها بمدى توفير الشركات لفرص عمل للمواطنين، بحيث تقل الضريبة كلما زادت نسبة توظيف المواطنين فيها.

لكن في البداية يجب خلق بيئة عمل جاذبة للأعمال، ولن يتأتى ذلك دون تحجيم القطاع العام، وخصخصة بعض القطاعات فيه، وتقليل البيروقراطية، وتوجيه المواطنين للعمل الحر والقطاع الخاص، بدلاً من اقتراح إجازة الجمع بين الوظيفة الحكومية والعمل الخاص، مما سيؤدي إلى مزيد من التكالب على الوظيفة الحكومية وإلى مزيد من البيروقراطية والبطالة المقنعة. حينئذ فقط يصبح فرض ضريبة على الشركات مستحقاً.

وفي المقابل، نجد أن أهم قضية ملحة تشكل تحدياً كبيراً للدولة غائبة تماماً عن أولويات النواب، ألا وهي الإصلاح المالي. فعندما تتجاوز ميزانية الدولة 25 مليار دينار، ويلتهم بندا الرواتب والدعوم 75 في المئة من هذه الميزانية، وفي ظل اعتماد شبه كلي على النفط كإيراد، وتضخم الجهاز الحكومي ودخول نحو نصف مليون مواطن لسوق العمل خلال العشرين سنة المقبلة، فهذا يعني أننا أمام قنبلة موقوتة، لكن السلطتين التنفيذية والتشريعية لا تريدان التحدث عن هذا الموضوع، لأن كل الحلول تتطلب إصلاحات اقتصادية صعبة وغير شعبية، خصوصاً مع انفتاح شهية أغلب النواب نحو إقرار قوانين تزيد من المصروفات الجارية بدلاً من تقليلها.

فبدلاً من التحدث عن بديل استراتيجي هدفه زيادة رواتب عدد كبير من موظفي الدولة، وسيكلف حتماً مئات الملايين سنوياً بحجة معالجة اختلالات الرواتب بين الجهات الحكومية، فالمطلوب الشروع في برنامج خصخصة شاملة لكثير من القطاعات الخدمية والصناعية وطرحها للاكتتاب العام مثلما تقوم به أغلب الدول الخليجية التي سبقتنا في هذا الجانب، حتى يقوم سوق العمل بإصلاح تفاوت الرواتب حسب أهمية كل وظيفة في سوق العمل الفعلي.

وبدلاً من اقتراح تأمين صحي لربات المنازل، مما يعد مزيداً من الترقيع في نظام صحي عقيم ومكلف ومنتهي الصلاحية، فالمطلوب النظر في إعادة هيكلة النظام كله، وذلك بتفكيك وزارة الصحة واستقلالية المستشفيات مالياً وإدارياً وربطها جميعاً بنظام تأمين صحي حكومي يشمل الجميع بمن فيهم المقيمون الذين يمكن جباية رسوم سنوية معقولة منهم مقابل الاشتراك في هذا التأمين. وهناك دراسة جاهزة أعدها المجلس الأعلى للتخطيط لتنفيذ هذه الفكرة، ويمكن للنواب الاستعانة بها ومناقشتها بدلاً من اقتراح المزيد من الإجراءات الترقيعية التي تزيد التكلفة دون حل جذري لأصل الخلل في النظام الصحي.

وقبل أن يتم نقاش الاحتراف الرياضي، يجب طرح فكرة خصخصة الأندية، بحيث يقتصر دور الحكومة على تقديم جوائز مجزية للمسابقات لأن الوضع الحالي فاسد، واستمرار تحمل الدولة الصرف على الأندية ومنشآتها يعتبر ضياعاً للمال العام، لأن المستوى الرياضي مستمر في الانحدار دون نهاية، لأن أصول الدولة يتحكم فيها أناس يأتون عن طريق الانتخابات حسب «شطارة» كل فئة في التسجيل.

وبدلاً من اقتراح زيادة المكافأة الاجتماعية للطلبة، يجب تعليمهم الاعتماد على النفس، وتشجيعهم على العمل بدوام جزئي في أي وظيفة كانت كما كان الوضع سابقاً، حتى يتعلموا تحمل المسؤولية. فنحن في عصر يجب فيه تقليل اعتماد المواطنين على الدولة في كل الأمور لا زيادتها.

من كل ما سبق لا يبدو أن اتفاق أغلبية النواب على الأولويات المذكورة أمر جيد، لأنه لا يعالج الاختلالات الرئيسية التي تعانيها الدولة، وهي استدامة المالية العامة وكيفية خلق وظائف للمستقبل، بل يعكس هذا الاتفاق الاستمرار في نفس النهج التشريعي التقليدي الذي لن يأتي بأي حلول جذرية للتدهور الذي يعانيه البلد.