طوت القمة العربية الـ 32، التي عُقِدت في مدينة جدة السعودية أمس ، صفحة أليمة من الصراعات والخلافات العربية ـ العربية والإقليمية، بعد أن عقدت مكتملة النصاب بمشاركة سورية التي عادت الى الجامعة العربية بعد 12 عاماً من القطيعة، وسط ترحيب بأجواء الانفراجة الإقليمية بين دول عربية من جهة وإيران وتركيا من جهة أخرى.

وكانت مشاركة الرئيس السوري بشار الأسد، واللقاء الثنائي الذي عقده مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي ترأس القمة بالنياية عن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز، أحد أبرز مشاهد القمة، إلى جانب المفاجأة الكبيرة التي كانت «الجريدة» انفردت بالكشفت عنها، والتي تمثلت بمشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في القمة، وإلقائه كلمة أمام الوفود العربية، وهو ما عكس، حسب مراقبين، حرص الرياض وكذلك الجامعة العربية والتكتل العربي كله، على تثبيت موقفه كطرف محايد سواء فيما يتعلق بالحرب الروسية على أوكرانيا أو بالصراعات الجيوسياسية، بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة، والصين وحليفتها روسيا من جهة أخرى. واختتمت بعد ظهر أمس أعمال القمة بإعلان ولي العهد السعودي استضافة البحرين للقمة المقبلة، وموافقة المشاركين على البيان الختامي للقمة، الذي تطرق إلى أبرز الملفات والتحديات التي تواجهها المنطقة، بدءاً من القضية الفلسطينية مروراً بملفات السودان، واليمن، وليبيا، ولبنان، وسورية، وصولاً إلى الثوابت الاستراتيجية للتكتل العربي مثل التشديد على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، واحترام تعدد الثقافات والهويات، ختاماً بملفات اقتصادية مثل الأمن الغذائي العربي وتحدي المياه.

واعتمد مجلس الجامعة على مستوى القمة قرارات تطرقت الى كل القضايا التي تهم الدول الاعضاء، وصدر عن الأمانة العامة للجامعة مستند تفصيلي من 110 صفحات حول القرارات التي اعتمدها المندوبون الدائمون للدول العربية، وأقرها وزراء الخارجية ورفعوها إلى القادة الذين قاموا باعتمادها. كما صدر عن القمة «إعلان جدة» الذي يلخص أهم القرارات الصادرة عن القمة.
Ad


وشدد الإعلان على أهمية تعزيز العمل العربي المشترك المبني على الأسس والقيم والمصالح وضرورة توحيد الكلمة، والتكاتف والتعاون في صون الأمن والاستقرار وحماية سيادة الدول العربية، داعياً إلى مزيد من الارتقاء بالعمل العربي للتعاطي مع تحديات العصر الجديد. وفيما يلي أبرز بنود إعلان جدة:

القضية الفلسطينية

فيما يخص فلسطين، جدد إعلان جدة التأكيد على مركزية القضية الفلسطينية، وأدان الممارسات والانتهاكات التي تستهدف الفلسطينيين، مؤكداً أهمية التوصل إلى تسوية شاملة وعادلة للقضية، وإيجاد أفق حقيقي لتحقيق السلام على أساس حل الدولتين والمرجعيات الدولية، وعلى رأسها مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة ومبادئ القانون الدولي.

ودعا المجتمع الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياته لإنهاء الاحتلال، ووقف الاعتداءات والانتهاكات الاسرائيلية وشدد على حماية مدينة القدس المحتلة ومقدساتها في وجه مساعي إسرائيل لتغيير ديموغرافيتها وهويتها والوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

الاقتتال في السودان

وبالنسبة إلى الأوضاع في السودان على ضوء الاقتتال بين الجيش وقوات الدعم السريع وتوقف العملية السياسية، أكد الإعلان ضرورة التهدئة وتغليب لغة الحوار وتوحيد الصف، والمحافظة على مؤسسات الدولة الوطنية، ومنع انهيارها، والحيلولة دون أي تدخل خارجي في الشأن السوداني يؤجج الصراع ويهدد السلم والأمن الإقليميين، واعتبار اجتماعات جدة بين الفرقاء السودانيين خطوة مهمة يمكن البناء عليها لإنهاء الأزمة.

عودة سورية

كما رحب الإعلان بقرار «الوزاري العربي» لاستئناف مشاركة وفود الحكومة السورية في اجتماعات مجلس الجامعة والمنظمات والأجهزة التابعة لها، وأمل أن يسهم ذلك في دعم استقرار سورية، ويحافظ على وحدة أراضيها، واستئناف دورها الطبيعي في الوطن العربي. وشدد على أهمية مواصلة وتكثيف الجهود العربية الرامية إلى مساعدة سورية على تجاوز أزمتها.

حرب اليمن

ودعم إعلان جدة الجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة اليمنية، استناداً إلى المرجعيات الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية ومخرجات الحوار الوطني اليمني وقرار مجلس الأمن رقم 2216، وجدد الدعم لمجلس القيادة الرئاسي اليمني.

الشغور في لبنان

وأعرب عن تضامن الدول العربية مع لبنان وحث كل الأطراف اللبنانية للتحاور لانتخاب رئيس للجمهورية يرضي طموحات اللبنانيين، وانتظام عمل المؤسسات الدستورية، وإقرار الإصلاحات المطلوبة لإخراج لبنان من أزمته الاقتصادية.

ليبيا

ودعا إلى ضرورة حل الأزمة الليبية في الإطار الليبي، ودعم إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية كحل للخروج منها، وكذلك دعم جهود البعثة الأممية في ليبيا، والتأكيد على ضرورة التوصل إلى تسوية سياسية شاملة. ودعم جهود توحيد القوات المسلحة الليبية، وتثبيت وقف إطلاق النار.

إيران

رحب الاعلان بالاتفاق الذي تم بين السعودية وإيران، لتفعيل اتفاقية التعاون الأمني والاقتصادي بينهما.

التدخلات والميليشيات

وأكد ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول العربية، والرفض التام لدعم تشكيل الجماعات والميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق مؤسسات الدولة، لافتاً إلى أن الصراعات العسكرية الداخلية لن تؤدي إلى انتصار طرف على آخر، وإنما تفاقم معاناة الشعوب وتثخن في تدمير منجزاتها، وتحول دون تحقيق تطلعات مواطنيها.

التنمية

وأشار الإعلان إلى ضرورة التكاتف والتكامل لتحقيق التنمية المستدامة، وأهمية مكافحة الجريمة والفساد بحزم ومواكبة التطورات المختلفة ووضع الرؤى والخطط القائمة على استثمار الموارد والفرص بهدف توطين التنمية واستثمار التقنية من أجل تحقيق نهضة عربية صناعية وزراعية شاملة.

احترام القيم

وعبّر الإعلان عن التزام واعتزاز الدول العربية بقيمها وثقافتها ورفضها رفضاً قاطعاً هيمنة ثقافات دون سواها، واستخدامها ذرائع للتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتعهد بالسعي إلى تعزيز المحافظة على الثقافة والهوية العربية الأصيلة لدى الأجيال الصاعدة.

مبادرات سعودية

وثمن حرص واهتمام السعودية بكل ما من شأنه توفير الظروف الملائمة لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي في المنطقة، وعملها على عدد من المبادرات خلال رئاستها للدورة الحالية، بينها، مبادرة تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، والتي تستهدف أبناء الجيل الثاني والثالث من المهاجرين العرب، ومبادرة الثقافة والمستقبل الأخضر، والتي تهدف إلى رفع مستوى التزام القطاع الثقافي في الدول العربية تجاه أهداف التنمية المستدامة، وتطوير السياسات الثقافية المرتبطة بالاستدامة ودعم الممارسات الثقافية الصديقة للبيئة، وتوظيفها في دعم الاقتصاد الابداعي.

وأشاد الإعلان بحرص المملكة على مبادرة استدامة سلاسل إمداد السلع الغذائية الأساسية للدول العربية، والتي تساهم في تحقيق الأمن الغذائي للدول العربية، والمساهمة الفاعلة في تلبية احتياجات الدول العربية من السلع الغذائية، ومبادرة البحث والتميز في صناعة تحلية المياه وحلولها، ومبادرة إنشاء مراكز فكرية للبحوث والدراسات في الاستدامة والتنمية الاقتصادية، لاحتضان التوجهات والأفكار الجديدة.

بن فرحان وأبوالغيط

وقال وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان، في المؤتمر الصحافي الختامي المشترك مع الأمين العام للجامعة أحمد أبوالغيط، أمس ، إن إعلان قمة جدة أكد تعزيز العمل العربي المشترك.

وأعرب بن فرحان عن أمله أن تسهم عودة سورية للجامعة في إنهاء أزمتها، مشيراً إلى أن السعودية تتفهم وجهة نظر حلفائها الغربيين الرافضة للتطبيع مع دمشق، وستواصل المحادثات معهم. ودعا الوزير السعودي، الأطراف السودانية إلى التحلي بالمسؤولية واللجوء للحوار، لافتاً إلى أن محادثات جدة بشأن السودان متواصلة، لكن من المبكر الحديث عن انفراجة.

وعن الملف الأوكراني، قال بن فرحان، إنه لا حل للأزمة الأوكرانية الروسية إلا بالحوار، مؤكداً أن الدول العربية اتخذت موقف الحياد الإيجابي من الأزمة في أوكرانيا.

وأوضح أنه تم الترحيب بحضور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لسماع وجهة نظر أوكرانيا تجاه الأزمة، وأن القمة ترحب باستماع وجهة نظر طرفي الأزمة، مرحباً برسالتي الرئيسين الصيني والروسي للقمة العربية.

من جهته، قال أبوالغيط، إن قمة جدة حققت الهدف المطلوب منها، لافتاً إلى أن سورية تحتاج لمساعدة العرب، وينبغي عليها التفاعل مع عودتها للجامعة. وأكد أبوالغيط أنه تم رصد تهدئة ملحوظة من دول الجوار، في إشارة إلى ايران وتركيا، وتم إعطاؤها فرصة لبدء صفحة جديدة.
بن سلمان يلقي كلمته (رويترز)


كلمة بن سلمان

وكانت أعمال القمة انطلقت بكلمة لرئيس الوزراء الجزائري أيمن بن عبدالرحمن، نيابة عن الرئيس عبدالمجيد تبون، الذي كان إلى جانب العاهل المغربي الملك محمد السادس وسلطان عمان هيثم بن طارق والرئيس الاماراتي الشيخ محمد بن زايد أبرز الغائبين عن القمة، شدد فيها على الحرص على توحيد الصف العربي، مرحباً بعودة سورية، ومثمناً جهود السعودية للتهدئة في المنطقة، ودعا الأطراف في السودان إلى تغليب مصلحة الوطن والاحتكام للحوار، وتجنب الانزلاق إلى دوامة العنف. وبعد تسلمه رئاسة القمة العربية الـ 32، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان افتتاح القمة، ورحب بالقادة العرب الحاضرين وبالرئيس الأوكراني زيلينسكي.

وقال بن سلمان: «نؤكد للدول الصديقة في الشرق والغرب أننا ماضون في السلام»، مؤكداً: «لن نسمح بأن تتحول منطقتنا إلى منطقة صراعات».

ورحب بحضور الرئيس السوري بشار الأسد، مضيفاً: «نأمل أن تشكل عودة سورية إلى الجامعة العربية إنهاء لأزمتها». وأعرب عن أمله أن تكون لغة الحوار هي الأساس في السودان، مؤكداً أهمية حل الأزمة في أوكرانيا سلمياً.
زيلينسكي يلقي كلمته في افتتاح القمة (د ب أ)
زيلينكسي

من ناحيته، ثمن الرئيس الأوكراني، خلال كلمته كضيف شرف، الوساطة السعودية للإفراج عن أسرى بين بلاده وروسيا، مشدداً على أن ما يحدث في بلاده ليس نزاعاً بل غزواً روسياً لأوكرانيا التي لم تنخرط في أي أعمال عدائية في أراضي دول أخرى.

وانتقد مواقف بعض الدول العربية التي لم تدن خطوات الضم الروسية لأربع مناطق أوكرانية، مؤكداً أن «أوكرانيا لن تخضع أبداً للمطامع الروسية»، ووزع خطة للسلام من 10 بنود على الوفود.

وأضاف أن إحدى أولويات كييف هي «حماية مسلمي أوكرانيا» في منطقة القرم التي ضمتها روسيا في 2014.