في وقت تسعى السلطات الإيرانية لتفكيك «الحراك الشعبي» المطالب بالتغيير والمتواصل منذ منتصف سبتمبر الماضي، عبر أسلوب مزدوج يعتمد في ظاهره على دعوات للحوار وفي باطنه على استخدام أدوات القمع الدامية والمختلفة لبث الخوف في نفوس المعارضين لنظام الجمهورية الإسلامية، أعلنت محكمة العاصمة طهران، أمس، أنها ستبدأ محاكمة ألف شخص وجهت إليهم تهم ارتكاب أعمال شغب في غضون هذا الأسبوع.

وقالت وكالة «تسنيم»، نقلا عن كبير القضاة في طهران، إنه ستتم محاكمة الـ1000 بتهم تتضمن «الاعتداء على حراس الأمن أو قتلهم، وإضرام النار في الممتلكات العامة»، في محكمة ثورية علنية.

وجاء ذلك في وقت انطلقت موجة جديدة من الاحتجاجات والاعتصامات بجامعات مختلفة في جميع أنحاء إيران. وهتف طلاب جامعة بهشتي في طهران أمس: «من زاهدان إلى تبريز.. فقر وفساد وتمييز». وتأججت الاحتجاجات في الجامعات بعد يومين من تهديد قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي بقمع ما وصفها بـ «أعمال الشغب».
Ad


كما ندد الطلاب بحظر السلطات لدخول عدد من الطلاب المحتجين إلى الجامعات، وشهدت أكثر من إحدى عشرة مدينة إيرانية احتجاجات ليلية صاخبة، ليل الأحد ـ الاثنين.

وخرجت تظاهرات في عدة مناطق بطهران وسنندج وسقز ومهاباد، وأطلقت قوات الأمن والشرطة وعناصر «الباسيج» الرصاص لتفريق المسيرات.

ونشر المحتجون فيديوهات جديدة تظهر شبانا وشابات يبادرون الى مهاجمة رجال دين في الشارع وإسقاط عماماتهم أرضاً.

تعليق وتشكيك

في غضون ذلك، كشف النائب في البرلمان الإيراني، مهدي باقري، أن السلطات علقت عمل دوريات الإرشاد الشرطية، التي عزز عملها الرئيس الأصولي المتشدد إبراهيم رئيسي، وتسببت في صدامات كبيرة مع عامة الشعب. وقال باقري في تصريحات أمس، إن «أولويتنا الآن هي الوضع الأمني في البلاد، ونظراً إلى أننا نعاني شحاً في القوات، فستتوقف دوريات الإرشاد عن العمل»، مضيفا: «من الخطأ الاعتقاد بأن الحساسية علی موضوع الحجاب لم تعد موجودة».

وفي وقت يزيد الشرخ بين أجنحة النظام الإيراني حول عدة قضايا من بينها عمل شرطة الآداب وفرضها للقواعد الصارمة للزي والحجاب، شككت صحف تابعة للتيار الإصلاحي في الانفتاح الذي أظهره رئيس الجمهورية إبراهيم رئيسي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف للحوار. ورأت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية أنه «من الواضح أن التيار السياسي الحاكم لن يقبل الحوار والتفاوض مع المتظاهرين»، مستشهدة ببعض الشروط المسبقة التي يستحيل تلبيتها مثل ألا يكون المتظاهرون أو المحتجون متأثرين بالإعلام الأجنبي. ودعت صحيفة «آرمان ملي» إلى التفاوض مع الشباب بدلاً من المواجهة، وذكرت أن الجامعات أفضل موقع للحوار. في المقابل، أشادت صحف أصولية بالاعتقالات.

إدراج وإدانة

وبينما كشفت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك، أمس، أنَّ ألمانيا والاتحاد الأوروبي يدرسان كيفية إدراج الحرس الثوري الإيراني في قوائم الإرهاب، اعتبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ناصر كنعاني أن «تدخلات الدول الغربية ومواقفها غير المسؤولة أدت لاستغلال الاحتجاجات من مثيري الشغب»، محذراً من إدراج «الحرس الثوري» في قوائم الارهاب.

ولاحقاً صرح متحدث باسم الحكومة الألمانية بأن برلين تدين بأشد العبارات الحملة العنيفة التي تشنها قوات الأمن الإيرانية على المحتجين وقمع الدولة للصحافيين.

وأضاف المتحدث أن ألمانيا ترحب بالعقوبات الإضافية التي فرضها «الأوروبي» على إيران الأسبوع الماضي، لافتا إلى أن برلين تنظر في اتخاذ مزيد من الإجراءات، إلا أنه أشار إلى أن بلاده تتابع الموقف في إيران، لكنها لا تصنفه على أنه «انتفاضة شعبية».

في هذه الأثناء، أعلنت حكومة نيوزيلندا أنها علقت محادثات حقوق الإنسان الثنائية الرسمية مع إيران. وأضافت أنه بسبب الحرمان من حقوق الإنسان الأساسية في هذا البلد، «لم يعد من الممكن تحمل النهج الثنائي». وقالت وزيرة الخارجية النيوزيلندية نانايا ماهوتا: «إن العنف ضد النساء والفتيات وباقي أعضاء المجتمع الإيراني غير مقبول، ويجب وقفه. من الواضح أن هذه أوقات عصيبة على الشعب الإيراني».

ويأتي ذلك فيما انضم «صوت نساء العالم» للاحتجاج، تضامنا مع الإيرانيين، وطالبت قيادات نسائية من 14 دولة، بينهن هيلاري كلينتون وأوبرا وميشيل أوباما، بطرد إيران من لجنة الأمم المتحدة المعنية بالمرأة بسبب عمليات القمع والعنف ضد التظاهرات التي خرجت بعد وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني، بعدما اعتقلتها شرطة الآداب بسبب مخالفتها لقواعد ارتداء الحجاب الإلزامي.

توقيف واحتجاز

في سياق آخر، أعلن وزير الداخلية الإيراني، إسماعيل خطيب، اعتقال عنصر ثان، له صلة بالهجوم الإرهابي على مزار شيعي في مدينة شيراز بجنوب غرب البلاد، الأسبوع الماضي. وقال وزير الأمن، إن القوى الأمنية اعتقلت ليل الأحد العنصر الثاني المتهم بجريمة مرقد «شاهجراغ»، والتي قُتل فيها 20 شخصا، مؤكدا أن «الأمن فوق كل شيء وأساس جميع شؤون البلاد».

على صعيد منفصل، أعلنت بحرية «الحرس الثوري» أنها قامت بضبط «ناقلة نفط أجنبية تحمل 11 مليون لتر من الوقود المهرب» في مياه الخليج، موضحة أنها اعتقلت طاقمها.