بعد فشل المبادرات العربية والإقليمية الإفريقية في وضع حد للقتال الدائر في السودان منذ منتصف أبريل الماضي، استضافت السعودية، أمس، أول المحادثات بين الجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بزعامة محمد حمدان حميدتي لرسم خريطة طريق لوقف العمليات العسكرية.

ورحّب وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، بوفد الجيش السوداني، الذي يضم 3 ضباط وسفيراً، ووفد قوات الدعم السريع، الذي يتكون من 3 ضباط، آملاً أن يقود حوار جدة إلى إنهاء الصراع وانطلاق العملية السياسية.

Ad

وفي بيان مشترك، رحبت السعودية والولايات المتحدة، ليل الجمعة - السبت، ببدء «المحادثات الأولية» في جدة، وفتح الباب أمام احتمال التوصل إلى هدنة دائمة.

وحضّت الرياض وواشنطن طرفَي النزاع على استشعار مسؤولياتهما تجاه الشعب السوداني، والانخراط الجاد في هذه المحادثات ورسم خريطة طريق للمباحثات لوقف العمليات العسكرية، والتأكيد على إنهاء الصراع وتجنّب التعرّض للمزيد من المعاناة وضمان وصول المساعدات الإنسانية للمناطق المتضررة.

ونوهت الرياض وواشنطن بجهود كل الدول والمنظمات التي أبدت تأييدها لعقد هذه المباحثات، بما في ذلك مجموعة دول «الرباعية» وجامعة الدول العربية والآلية الثلاثية، وحثتا على استمرار بذل الجهود الدولية المنسقة لمفاوضات واسعة تشارك فيها كل الأحزاب السودانية.

وأضاف البيان: «تحث السعودية والولايات المتحدة على استمرار بذل الجهود الدولية المنسقة لمفاوضات واسعة تشارك فيها كل الأحزاب السودانية».

بلينكن وسوليفان

وقبل ساعات، استعرض وزير الخارجية السعودي ونظيره الأميركي أنتوني بلينكن، في اتصال هاتفي، مستجدات الأحداث وتهيئة الأرضية اللازمة للحوار في جدة، وأكدا أهمية وقف التصعيد العسكري بما يضمن أمن واستقرار السودان وشعبه.

وقال الجيش السوداني، في بيان، «في إطار المبادرة السعودية - الأميركية التي تم طرحها منذ بداية الأزمة، غادر إلى جدة مساء أمس الأول (الجمعة) وفد القوات المسلحة السودانية لمناقشة التفاصيل الخاصة بالهدنة التي يجري تجديدها».

وشدد المبعوث الخاص للبرهان، دفع الله الحاج، على أن الجيش قبِل المبادرة السعودية - الأميركية لمناقشة ومراقبةِ آلية الهدنة، لكنّه لن يعقد محادثات مباشرة مع أي وفد ترسله قوات الدعم السريع «المتمردة».

وأكد قائد الدعم السريع مشاركته في محادثات جدة، وشكر الجهود الدولية، خصوصاً السعودية والأميركية، التي ساهمت في إقرار أكثر من هدنة، آملاً أن أهدافها المرجوة بوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية تمكّن المواطنين من الحصول على الخدمات الأساسية.

وقال حميدتي، في بيان، «إننا متمسكون بموقفنا الثابت والمعلن بضرورة الوصول إلى حكومة انتقالية مدنية تؤسس لتحوّل ديموقراطي».

ورحب المكون المدني، الذي يقود الخطة المدعومة دولياً للانتقال السياسي، بمحادثات جدة، آملاً أن تشكّل خطوةً أولى لوقف الانهيار المتسارع، وتقود لوقف للقتال ومعالجة الأوضاع الإنسانية وتمهيد الطريق لحلّ سلمي سياسي مستدام.

ودعا التحالف المدني، بما فيه قوى العملية السياسية والحرية والتغيير، قيادة القوات المسلحة والدعم السريع لاتخاذ قراراتٍ شجاعة تنتصر لصوت الحكمة، وتوقِف القتال، وتنهي معاناة الشعب من الحرب.

وعشية عقد الجامعة العربية اليوم اجتماعين غير عاديين على مستوى وزراء الخارجية، أحدهما لبحث الحرب في السودان، أعلن مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، أنه توجه إلى الرياض، أمس، لإجراء محادثات مع القادة السعوديين الذين تربطهم علاقات وثيقة مع البرهان وحميدتي.

وقبل وصول سوليفان، توقعت رئيسة «الاستخبارات» الأميركية، أفريل هاينز، معارك «طويلة الأمد»، لأنّ «الطرفين يعتقدان أن بإمكان كل منهما الانتصار عسكرياً، وليست لديهما دوافع تُذكر للجلوس إلى طاولة المفاوضات».

والخميس، أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن أن «المأساة يجب أن تنتهي»، ملوّحاً بفرض عقوبات على «الأفراد الذين يهددون السلام»، لكن من دون أن يسمّي أحداً.

الحرب مستمرة

ورغم المحادثات والهدنة السابعة السارية حتى 11 مايو والتهديدات الأميركية بفرض عقوبات، تواصلت لليوم الحادي والعشرين توالياً حرب الاستنزاف الدائرة في شوارع وأحياء الخرطوم، لا سيما حي الرياض وفي محيط المطار والقصر الجمهوري وقيادة الجيش المعارك الدامية بمشاركة الطيران الحربي والمدافع الثقيلة والتفجيرات.

واتهمت «الدعم السريع» الجيش، أمس، بانتهاك كل الأعراف والاتفاقيات الدولية لحماية البعثات الدبلوماسية عبر إطلاق النار على سيارة السفير التركي إسماعيل جوبان أوغلو، مشيرة إلى أن عناصرها تمكنت من إجلائه ووفده إلى مكان آمن.

وفي مدينة بحري، بالجهة المقابلة للخرطوم من النيل، سُمع هدير الطائرات الحربية ودوّت الانفجارات، وتحدّث شهود عن اشتباكات مسلحة وضربات جوية.

وفي دارفور غرباً على الحدود مع تشاد، تمّ تسليح مدنيين للمشاركة في الاشتباكات بين الجنود وقوات الدعم السريع ومقاتلين قبليين ومتمرّدين، وفقاً للأمم المتحدة والمجلس النرويجي للاجئين، الذي أكد سقوط «191 قتيلاً على الأقلّ واحتراق عشرات المنازل ونزوح الآلاف»، فضلاً عن تعرّض مكاتبه للنهب.

وأبلغ رئيس جنوب السودان سلفا كير البرهان وحميدتي مخاوفه وقادة شرق إفريقيا (إيغاد) حيال انتهاك قواتهما للهدنة للمرة السابعة، وحضّهما على إرسال ممثليهما إلى موقع متفق عليه لبدء مفاوضات.

كارثة إنسانية

من جانبها، أطلقت الأمم المتحدة جرس إنذار من كارثة إنسانية ستكون الولايات الأكثر تأثراً بها غرب وشمال دافور وكردفان والنيل الأزرق وولاية البحر الأحمر.

ونقل نائب المتحدث باسم الأمين العام، فرحان حق، أن برنامج الأغذية «يتوقع ارتفاع عدد من يعانون فقداناً حاداً في الأمن الغذائي إلى 19 مليوناً، في حال استمر النزاع الحالي بين الأشهر الـ 3 والـ 6 المقبلة».

ووفقاً للأمم المتحدة، فإن القتال المستمرة منذ 22 يوماً، أسفر عن سقوط 700 قتيل و5 آلاف جريح، وتشريد 335 ألفاً ولجوء 115 ألفاً إلى الدول المجاورة، بينهم 56 ألفاً عبروا في الثالث من مايو إلى مصر و12 ألفاً إلى إثيوبيا و30 ألفاً إلى تشاد.

وأشارت منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)، الجمعة، إلى تقارير تفيد بسقوط 7 أطفال كلّ ساعة بين قتيل وجريح.

وأضافت المنظمة الأممية أنّها تلّقت تقارير من شريك موثوق - لم تتحقّق منها الأمم المتحدة بشكل مستقلّ بعد - تفيد بأن 190 طفلاً قُتلوا و1700 آخرين أصيبوا بجروح خلال الأيام الأحد عشر الأولى فقط من القتال.

وأضر القتال بالبنية التحتية الحيوية، وتسبب في إغلاق معظم المستشفيات بمناطق احتدام المعارك، وحذرت وكالات الأمم المتحدة من كارثة إنسانية كبرى إذا استمر القتال.