الساعة السادسة مساء والمركز التجاري فيه حركة لا تشبه تلك المرافقة لليلة العيد بعد أن نهش الوضع الاقتصادي رغيف الخبز قبل فستان العيد، وأخرجه من قوائم أولويات الأسر في كثير من بلادنا العربية وغيرها، تقول البائعة لزميلتها «والله احنا المسيحيين أكثر فرحة من المسلمين بالعيد غداً الجمعة»، يضحكان سوية وتعلق الثالثة سيكون الأسبوع الثالث من الإجازات الطويلة بعد أعياد الفصح المجيدة بطوائفها، تهمس إحدى المتجولات في ذاك المركز بما يبدو أنه لا هدف لها إلا بعثرة الوقت وتمضيته بنقد لاذع لكسل العاملات وتمضي في مشيتها المتكاسلة هي الأخرى!!

هي وغيرها ينسون أو يتناسون كم تراجعت الأجور خلال السنوات الأخيرة حتى أصبحت لا تكفي أجر المواصلات، حتى مراكز العمل وحتى فكرت كثير من السيدات في البقاء في المنزل بعد سنوات من الاستثمار في مهنة مهما كانت صغيرة إلا أنها تحقق لها كثيراً من استقلالها الاقتصادي المطلوب، عندما تعجز الدولة عن توفير فرص عمل يبدو الحصول على وظيفة حلم الأغلبية الساحقة من الشباب قبل متوسطي العمر وكباره.

مر العيد بطيئا وثقيلا لكنه كان هادئاً جداً، وهذا بحد ذاته مكسب يجعل هذا العيد أو كثيراً من الأعياد لمختلف الطوائف والأديان أياما خاصة في صخب لا يتوقف، وقفت تلك العصفورة على سلك الكهرباء المتشابك الذي صنع ما يشبه بيت العنكبوت، وهو مشهد معتاد في مدن البؤس والعوز والفقر العربية، حيث تسقط الدولة في مستنقع فساد من يسيطرون على صنع القرار... لم تغلق كل المحلات أبوابها وهذه ميزة أن تكون في بلد متنوع رغم أننا كثيراً ما ننسى أهمية التنوع ونرتمي في أحضان الشعارات العناصرية والشوفينية والطائفية والدينية وحتى الذكورية!!!
Ad


تتبعثر الصور من هنا وهناك، وحدها الصور تملأ مشاهد العيد، ألم يكتب سلافو جيجك ذاك الفيلسوف السلوفيني «أن الصورة بالطبع، تكمن في عيني، لكنني أيضا في الصورة»، يمر اليوم بصور كثير منها الأسود والأبيض وبعضها تلون بفعل الزمن أو بفعل تأثير كل التطورات الحاصلة، صورة لصباح عيد الفطر في مطبخ العائلة ورائحة كعك العيد أو «كيك» العيد بالهيل والزعفران تعطر بيتنا الدافئ وهي تكمل إشرافها على فطار العيد ثم غداء العيد مع العائلة، رز تملحه بدمع عينيها وتنثر عليه حبها ودفء قلب لن يتكرر، ثم تصف قطع اللحم بعناية فائقة وفوقها اللوز المحمص كما تعرف أن الجميع يشتهيه، وصورة أطفال يطلقون الغناء «عيدكم مبارك عساكم من عواده»، وهم يتطلعون لقطع النقود التي ستعطى لهم ولهن مع كثير من الحلويات الملونة، صور بالأسود والأبيض رغم نقوشها الملونة بتلاوين الفرح الطفولي والهمسات والأحاديث البريئة ونظرات الحب.

تقلب الصور في الذاكرة وفجأة ينهال نهر من الصور من مكان كنت تتصور أنه ربما كسل أو تعب فلم يعد يتذكر، تفاجئك كثرة الصور لأب وأم وعم وخالة وخال وأحبة كثر إخوة صغار، وآخرين مراهقين يسرقون النظرات باستحياء شديد صوب الفتيات الحالمات بفساتين تشبه تلك التي لبستها فاتن وشادية في فيلم «موعد مع الحياة» أو «الزوجة رقم 13» بعد أن كانت مستلقية على شاطئ جميل بمايوه يتصور كثيرون اليوم أنه فاضح أو كاشف فيما كان مشهدا عاديا في تلك الأيام البعيدة.

لا تتوقف الصور، شلال هو من أعياد وصور كانت ولأشخاص هم أكثر حياة اليوم من كثير من الماشين على هذه الأرض.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية.