منذ صدور حكم المحكمة الدستورية ببطلان انتخابات مجلس أمة 2022 وعودة مجلس 2020، زادت الشائعات في المجتمع الكويتي عن حدها، ووصلت إلى حد غير مقبول، ولم يسلم منها أحد، واستهدفت السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، في ظل تجاهل حكومي ملحوظ في الرد عليها، وهو ما شجع المتسترين وراءها على زيادة جرعتها.

وعند كل لحظة تصفح مستخدم لحسابه على مواقع التواصل (حاضنة الشائعات)، تقابله شائعة من العيار الثقيل، فأحد الحسابات الوهمية يتحدث عن توجه لتعليق الدستور، وآخر عن تعديلات جذرية على قانون الانتخابات تمنع قطاعاً كبيراً من المواطنين من حق الترشح، وثالث عن اتفاق على استمرار تعليق مجلس الأمة إلى ما لا نهاية، والأمثلة كثيرة على تلك النوعية من الشائعات.

Ad

الشائعات التي كثيراً ما حذرت من خطورتها القيادة السياسية، وضرورة عدم الالتفات إليها، ومحاسبة كل من يروج أخباراً كاذبة، زاد من انتشارها غياب دور الحكومة في قطع دابرها من البداية، واتخاذ إجراءات رادعة ضد كل من تسوّل له نفسه بث مثل هذه الأخبار لتحقيق مصالح ضيقة، حتى باتت آفة تهدد المجتمع كله.

سياسة الصمت

ولعل التزام الحكومة سياسة الصمت في الآونة الأخيرة في إعلان خطواتها وإجراءاتها التي تنوي اتخاذها فور صدور حكم «الدستورية»، هو ما فتح الباب أكثر أمام اللوبي الذي يسعى إلى توجيه الرأي العام نحو اتجاه معين، لتنفيذ مخططه عبر نشر أخبار يعلم أنها كاذبة، لكن كطبيعة البشر يتفاعلون معها ويعلقون عليها، وهذا بالفعل ما يريده.

الحديث عن الشائعات يجرنا إلى الحسابات الوهمية أو ما عرف أخيراً باسم «الذباب الإلكتروني»، ومعه يكون السؤال، لماذا تأخرت الحكومة في تقديم مشروعها الذي كان محل مطالبة من القيادة السياسية السابقة والحالية لمكافحة الحسابات الوهمية؟ وما الذي يمنعها من تقديمه؟ فاللوم الأكبر يقع عليها هنا لا على المجلس، باعتبار أن الحكومة هي المعنية بتقديم مشروع متوازن يضمن حرية التعبير والرأي، وكذلك يحارب هذا النوع من الحسابات التي تهدد كيان المجتمع، ويأتي دور المجلس بعد ذلك بالتمحيص والدراسة ثم التعاون، لإقراره بعد إدخال التعديلات اللازمة.

أسباب كثيرة

أسباب تنامي ظاهرة الشائعات في الكويت كثيرة، وفي هذا الصدد أكد الخبير الدستوري د. محمد الفيلي، لـ «الجريدة» أن «انتشار الشائعات في الشأن العام له أسباب بعضها يكون إرادياً، عندما تأتي كتل أو مجاميع سياسية في إطار خصومتها مع مجاميع أخرى فتنشر الشائعات، وقد يكون سببها بكل بساطة رغبة الناشر في البروز، والشائعات تنشر في إطار نقص المعلومات الموثقة، ويزيدها انتشاراً شيوع ثقافة عدم الاحتكام للمنطق في تمحيص النشر، وإذا اجتمع السببان تزداد».

وأضاف «اليوم أصبح لنشر الشائعات تقاليد منتشرة، ترتب عليها حتى ظهور مصطلحات مثل الذباب الإلكتروني، وهناك عنصر آخر يضاف إلى نشرها في وسائل التواصل هو أننا أمام وسائل نشر سريعة، غالباً من الصعب ضبط مصدرها».

ومن زاوية قانونية، أكد أن القانون الذي ينظم النشر يرتب وسائل لنشر المعلومات المغلوطة، وهذا موجود في قانون المطبوعات والنشر، ومترتب على هذا التجريم تجريم آخر في قوانين أخرى تتعامل مع النشر الإلكتروني، لكن في مجال النشر الإلكتروني حتى بقانون الانتخاب تبقى إشكالية واقعية اننا بصدد صعوبة مادية في ضبطها، وليس الحل في حجب مصادر النشر، لأن الناس ستميل للممنوع باعتباره مرغوباً، خصوصا أن الوصول للمواقع المحجوبة ليس مستحيلا، إذاً الوسيلة الأكثر نجاة هي تنمية ثقافة التساؤل والاحتكام للمنطق في تمحيص الأخبار، فالخبر غير المنطقي ومجهول المصدر يفترض أن الناس بنفسها لا تقبله، ثم الطبيعة تكره الفراغ، فإذا كانت المعلومات محجوبة فالناس تذهب إلى من يدعي أن لديه معلومات.

وختم حديثه بتلخيص أكبر لسبل مواجهة الشائعات في المجتمع الكويتي بقوله «إذاً المواجهة تكون بـ 3 طرق هي: تفعيل القانون، وهو واقعياً أضعفها، ثم نشر المعلومة السريعة بين الناس، وأخيراً تنمية ثقافة التمحيص المنطقي».

القيل والقال

في المقابل، يرى النائب السابق محمد الدلال أن الشائعات ليست جديدة، ولا تكثر إلا إذا كان هناك فراغ، وتُرك مجال للقيل والقال، وزيادتها تعكس تراجع دور الدولة ودور المجتمع المدني والحكماء في توجيه الساحة، وهنا يستغل البعض ممن يحرصون على توجيه الساحة لمصالحهم.

ويضيف «لا شك أن الشائعات مقصودة ومستهدفة لتحقيق أغراض معينة، وبعضها يكون سلبيا ليس لمصلحة المجتمع ولا الدولة، وهناك من يردد بعض الكلمات والأقاويل من أجل المتعة العامة، لذا ترك الفراغ وعدم ملئه بالدولة ومؤسساتها والحكماء ومؤسسات المجتمع المدني يساهم في كثرتها، وتعكس ضعف الدولة، وتسبب عقبات ومشاكل كثيرة».

المطلوب من وجهة نظر الدلال أن تقوم الأطراف المعنية بمسؤولياتها، فما حدث في فترة الأشهر الأخيرة من غياب الحكومة لتوجيه المجتمع وعدم وجود ناطق رسمي باسمها، أو شخصيات رئيسية توجه الساحة في الجوانب السياسية والمستجدات مثل حكم المحكمة الدستورية، ومتطلبات التعامل معه، ولماذا الحكومة تأخرت في تشكيلها ولم تتخذ قرارات؟، ولماذا مجلس الأمة لا يعمل إلى الآن؟ ومتى سيحل المجلس وتُجرى الانتخابات؟... كل هذه القضايا يجب أن تكون واضحة ومحددة ولا يترك مجال بها للفراغ، ولا لأصحاب المصالح الخاصة بأن يكون لهم كلمة لتوجيه الساحة، ومن المفترض أن يكون للسلطة التنفيذية رؤية واضحة، فهي من تقود الساحة، لأن افتقادها لذلك يعني أن الآخرين يقودون من خلال شائعاتهم وأقاويلهم، ونحتاج كذلك إلى أن يكون للمجتمع المدني والحكماء رأي، وأن يساهموا في توجيه المجتمع وتوضيح الصواب من الخطأ.

وشدد الدلال على أن غياب الناضجين والنخب وأصحاب الرأي الحكيم، وتراجع دورهم ليس من مصلحة الشارع،

وبالعكس هم مصلحون ومطالبون بتوجيه الساحة، فدور الحكومة مهم جداً برئيسها وناطقها الرسمي، وكذلك دور المجتمع المدني كله من خلال نخبة ومؤسساته بتوجيه الساحة التوجيه الصحيح، كل هذا متراجع، ومطلوب منهم دور في الفترة القادمة.

وسائل التواصل

أما النائب السابق أحمد لاري، فقال: أرى أن أسباب انتشار الشائعات كثيرة، ويأتي على رأسها «كثرة توفر وسائل التواصل الاجتماعي، التي هي متاحة لمختلف الأعمار ومختلف المستويات، وفهي توفر إمكانية بث الرسالة والمعلومة والخبر من غير وضع الاسم للتعريف أو ذكر المصدر، وأيضاً أصبح الأصل هو خبر وسائل التواصل، وعلى من شمله الاتهام النفي».

واعتبر لاري أن ذلك بسبب ضعف الثقافة الواعية والمدققة للأخبار قبل إعادة النشر، ووجود أصحاب مصالح لديهم إمكانات مالية وذباب الكتروني يستخدمونه لتحقيق مصالحهم، مشدداً على أن القضية تحتاج إلى تطبيق روح القانون للتخفيف من آثار الشائعات، وتفعيل دور الأجهزة الرقابية بالإعلام والداخلية، وتقوية دور العلاقات العامة في مختلف الجهات، لتوضيح الشبهات والشائعات التي تتم إثارتها في وقت سريع بشبكة واسعة.

ومع تنامي الشائعات التي لا يكاد يمر يوم إلا وتطل بوجهها القبيح في عالم «السوشيال ميديا»،

هل سنرى تحركاً حكومياً ونيابياً في المرحلة القادمة لوضع حد لها؟ وهل ستعود الحكومة لقيادة المشهد من جديد والحرص على تفعيل دور الناطق الرسمي ودور مركز التواصل الحكومي في نفي أو توضيح كل ما يتم تداوله على مواقع التواصل فيما يتعلق بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أم سيستمر الوضع على ما هو عليه؟

«الداخلية»... الوزارة الأكثر التزاماً بالرد عليها

تُعد وزارة الداخلية الوزارة الأكثر التزاماً بالرد على الشائعات في حينها، والمتابع لحساباتها على مواقع التواصل سيجد أنه لا يكاد يمر يوم إلا وترد على شائعة.

وفي رد سابق على سؤال برلماني للنائب مبارك الحجرف نفت الوزارة جملة وتفصيلاً ما أورده النائب شعيب المويزري في استجوابه لوزير الداخلية السابق بشأن إنشاء أي من العاملين أو القياديين في الوزارة حسابات وهمية، أو قاموا بإدارتها أو دعمها وحمايتها، مشددة على أنها لا تسمح بإدارة أو دعم أو حماية الحسابات الوهمية المسيئة، ولن تتوانى في اتخاذ كل الإجراءات القانونية في حالة عدم التقيد بذلك.

لماذا لا تفعّل المحاسبة؟

رغم زيادة الشائعات في المجتمع، والتي تقف وراءها حسابات وهمية وغير وهمية، لم نسمع إلا ما ندر عن محاسبة مروجيها، وهنا يكون الحديث عن «من أمن العقوبة أساء الأدب»، حيث زادت بشكل مؤسف، وهو ما يجعل الكل يتساءل لماذا لا تفعّل المحاسبة ويحال كل من يروج أخباراً كاذبة إلى القضاء؟

أحداث قديمة وفي دول أخرى

المتابع لحساب وزارة الداخلية على مواقع التواصل يلاحظ كثرة نفي الوزارة لمقاطع فيديو لأحداث وقعت، لكن اللافت أن «الداخلية» تبين في معرض نفيها أن تلك الأحداث وقعت قبل سنوات، بل بعضها كان بدول أخرى لا بالكويت، كما يصور مروجوها، وهو ما يؤكد ضرورة الانتباه عند مشاهدة هذه النوعية من الفيديوهات قبل ترويجها، لعدم الوقوع تحت طائلة القانون.

ما سر اختفاء «التواصل الحكومي»؟

كان لمركز التواصل الحكومي خلال فترة تعيين د. طارق المزرم ناطقاً رسمياً باسم الحكومة نشاط ملحوظ في التصدي للشائعات والرد عليها في وقتها، ونفيها، وتوضيح الحقيقة بكل شفافية، لكن فور خروج المزرم، أصبحت مهمة المركز على «تويتر» عمل «ريتويت» لبيانات مجلس الوزراء والجهات الحكومية الأخرى!

فرغم انتشار الشائعات بكثرة في الآونة الأخيرة فإننا لم نرصد للمركز أي دور، وأصبح كحال غيره مكتفياً بالمشاهدة، وكأن الأمر لا يعنيه!