لم يتّضح بعد كامل نطاق التعاون الأميركي مع تركيا، والسعودية، وقطر، لمساعدة المعارضة المتمثلة بالثوار في سورية. ولم تعترف إدارة أوباما يوماً بدورها في إنشاء ما تسمّيه وكالة الاستخبارات المركزية «خط الجرذان»، وهو عبارة عن طريق سريع خلفي باتجاه سورية. صدر الإذن بنشوء هذا الخط بداية عام 2012، وقد استُعمِل لنقل الأسلحة والذخائر من ليبيا، مروراً بجنوب تركيا والحدود السورية، وصولاً إلى المعارضة.

Ad

وكان جزء كبير من الذين تلقوا الأسلحة في سورية جهاديين، وانتمى بعضهم إلى تنظيم «القاعدة». (قال المتحدث باسم مدير الاستخبارات الوطنية: «الفكرة القائلة إن الولايات المتحدة كانت تسلّم الأسلحة من ليبيا إلى أي طرف آخر خاطئة»).

في شهر يناير، نشرت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ تقريراً حول الاعتداء الذي نفّذته ميليشيا محلية في سبتمبر 2012 ضد القنصلية الأميركية ومنشأة سرّية مجاورة وتابعة لوكالة الاستخبارات المركزية في بنغازي، مما أسفر عن مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفن و3 أشخاص آخرين.

ونشرت الصحف في صفحاتها الأولى الانتقادات التي وجّهها التقرير لوزارة الخارجية الأميركية، لكونها لم تطبّق التدابير الأمنية المناسبة في القنصلية، وللأوساط الاستخبارية لكونها لم تُنبّه الجيش الأميركي حول وجود مركز تابع لوكالة الاستخبارات المركزية في تلك المنطقة، فتجددت بذلك العداوات في واشنطن: واتّهم الجمهوريون أوباما وهيلاري كلينتون بالتستر على ما حصل.

كذلك، وَصَف مُلحَق بالغ السرّية، لم يتم نشره علناً، اتفاقاً سرياً تم التوصل إليه بداية عام 2012 بين إدارتَي أوباما وإردوغان، وكان على صلة بـ «خط الجرذان».

وبموجب هذا الاتفاق، يأتي التمويل من تركيا والسعودية ومن قطر أيضاً، بينما تتولى وكالة الاستخبارات المركزية، بدعمٍ من جهاز الاستخبارات البريطاني، جلب الأسلحة من ترسانات القذافي إلى سورية.

في غضون ذلك، نشأ عدد من الشركات الوهمية في ليبيا، وكان بعضها على شكل كيانات أسترالية ظاهرياً، وتمت الاستعانة بعدد من الجنود الأميركيين المتقاعدين لإدارة المشتريات وعمليات الشحن، لكنهم ما كانوا يعرفون هوية من يوظفهم في جميع الحالات.

وحصلت العملية تحت إشراف مدير وكالة الاستخبارات المركزية، ديفيد باتريوس، الذي استقال بعد فترة قصيرة غداة انكشاف علاقته مع كاتبة سيرته الذاتية. (أنكر متحدث باسم باتريوس حصول تلك العملية).

خط الجرذان

وقد أنهت واشنطن، فجأةً، دور وكالة الاستخبارات المركزية في نقل الأسلحة من ليبيا بعد الهجوم ضد القنصلية، لكن بقي «خط الجرذان» قائماً. يقول مسؤول استخباري سابق: «لم تعد الولايات المتحدة تسيطر على ما ينقله الأتراك إلى الجهاديين».

وبحلول نهاية عام 2012، اقتنع جميع المسؤولين في الأوساط الاستخبارية الأميركية بأن الثوار بدأوا يخسرون الحرب. وفق معلومات المسؤول الاستخباري، شعر إردوغان بالاستياء. في ربيع عام 2013، عَلِمت الاستخبارات الأميركية أن الحكومة التركية كانت تتعاون مباشرةً مع «جبهة النصرة» وحلفائها لتطوير قدرات تسمح بشن حروب كيماوية. كان إردوغان يعرف أن كل شيء سينتهي إذا أوقف دعمه للجهاديين. ولم يتمكن السعوديون من دعم الحرب لأسباب لوجستية، مثل بُعد المسافات وصعوبة نقل الأسلحة والإمدادات. كان إردوغان يأمل في افتعال حدثٍ يُجبِر الولايات المتحدة على تجاوز الخط الأحمر. لكن لم يرد أوباما في شهرَي مارس وأبريل.

الخط الأحمر

لكن لم يظهر أي مؤشر علني على وجود خلاف بين إردوغان وأوباما، في 16 مايو 2013، في البيت الأبيض. أعلن أوباما، خلال مؤتمر صحافي لاحق، أنهما اتفقا على ضرورة أن يرحل الأسد. وحين سُئِل أوباما عن تجاوز سورية الخط الأحمر، اعترف بوجود أدلة على استعمال هذا النوع من الأسلحة الكيماوية، لكنّه أضاف قائلاً: «يجب أن نحرص على جمع معلومات أكثر دقة عن حقيقة ما يحصل هناك». بعبارة أخرى، لم يتغير الخط الأحمر حتى تلك المرحلة.

استياء تركي

أخبرني خبير في السياسة الخارجية الأميركية، كان على تواصل دائم مع مسؤولين في واشنطن وأنقرة، عن عشاء رسمي أقامه أوباما لإردوغان خلال زيارته في شهر مايو. أصرّ الأتراك خلال ذلك الاجتماع على تجاوز سورية للخط الأحمر المتعارف عليه، واشتكوا من تردد أوباما في التعامل مع الوضع.

كان أوباما برفقة جون كيري وتوم دونيلون، مستشار الأمن القومي الذي ترك منصبه بعد فترة قصيرة. في المقابل، انضم وزير الخارجية التركي، أحمد داوود أوغلو، ورئيس الاستخبارات التركي، حقان فيدان، إلى إردوغان. كان فيدان معروفاً بولائه القوي لإردوغان، ولطالما اعتُبِر من داعمي الثوار المتطرفين في سورية.

استغلال الثغرات

لم يرحل إردوغان فارغ اليدين من ذلك الاجتماع. كان أوباما لا يزال يسمح لتركيا بمتابعة استغلال الثغرات في الأمر التنفيذي الرئاسي لمنع تصدير الذهب إلى إيران، وهو جزء من نظام العقوبات الأميركية المفروضة على البلد. في مارس 2012، ردّ نظام «سويفت» للدفع الإلكتروني، الذي يُسهّل المدفوعات العابرة للحدود، على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على البنوك الإيرانية، فطرد عشرات المؤسسات المالية الإيرانية، وأعاق قدرة البلد على إجراء عمليات تجارية دولية.

وطبّقت الولايات المتحدة الأمر التنفيذي في شهر يوليو، لكنها احتفظت بما عُرِف لاحقاً باسم «ثغرة الذهب»، مما يعني السماح باستمرار شحنات الذهب إلى الكيانات الإيرانية الخاصة. وتُعتبر تركيا من أبرز البلدان التي تشتري إمدادات النفط والغاز الإيرانية، وقد استفادت من تلك الثغرة عبر إيداع مدفوعات الطاقة بالليرة التركية في حساب إيراني داخل تركيا. وقد استُعمِلت تلك الأموال في المرحلة اللاحقة لشراء الذهب التركي وتصديره إلى الشركاء في إيران. وتشير التقارير إلى دخول ذهبٍ تصل قيمته إلى 13 مليار دولار إلى إيران بهذه الطريقة في مارس 2012 ويوليو 2013.

وسرعان ما أصبح هذا البرنامج منجم ذهب للسياسيين والتجار الفاسدين في تركيا، وإيران، والإمارات. يوضح المسؤول الاستخباري السابق: «قام الوسطاء بما يفعلونه دوماً، فأخذوا 15 بالمئة من الأرباح. وأشارت تقديرات وكالة الاستخبارات المركزية إلى حصد مبالغ بقيمة مليارَي دولار. هكذا تعرّض الذهب والليرة التركية للسرقة».

تحوّلت الأرباح غير الشرعية لاحقاً إلى فضيحة «الغاز مقابل الذهب» في تركيا، في شهر ديسمبر، وأدت إلى توجيه تُهَم ضد 24 شخصاً، منهم رجال أعمال رواد وأقارب مسؤولين حكوميين، واستقال 3 وزراء، ودعا أحدهم إردوغان إلى الاستقالة. في غضون ذلك، أصرّ الرئيس التنفيذي في بنك تسيطر عليه الدولة التركية ويواجه فضيحة كبرى على أنه يستعمل الأموال النقدية التي عثرت عليها الشرطة في صناديق أحذية أثناء البحث في منزله (بقيمة 4.5 ملايين دولار) للتبرعات الخيرية.

طاولة المفاوضات

ورد في كتاب هيرش أن جوناثان شانزر ومارك دوبويتز كتبا في صحيفة فورين بوليسي، أن إدارة أوباما أغلقت «ثغرة الذهب» في يناير 2013، لكنها «مارست الضغوط منعاً لسريان مفعول التشريع قبل مرور 6 أشهر».

هما يفترضان أن الإدارة الأميركية أرادت استعمال ذلك التأخير كحافزٍ لجلب إيران إلى طاولة المفاوضات للتناقش حول برنامجها النووي، أو لاسترضاء حليفتها التركية في الحرب الأهلية السورية. في الوقت نفسه، سمح ذلك التأخير لإيران بجمع مليارات الدولارات على شكل ذهب، مما أدى إلى إضعاف نظام العقوبات بدرجة إضافية.

مخاطر سياسية وعسكرية

يروي هيرش في كتابه أنه بعد القرار الأميركي بإنهاء دعم وكالة الاستخبارات المركزية للمعارضة السورية، أصبح إردوغان معرّضاً للمخاطر السياسية والعسكرية. يضيف المسؤول الاستخباري السابق: «تعلّقت واحدة من المسائل الخاضعة للنقاش خلال القمة في شهر مايو باعتبار تركيا السبيل الوحيد لتزويد الثوار في سورية بالإمدادات. لا يمكن أن تمرّ تلك الإمدادات بالأردن، لأنّ المساحات في الجنوب تبقى مفتوحة وينتشر فيها السوريون بكل مكان. ولا يمكن أن تمرّ عبر الوديان والتلال اللبنانية، لأنّ أحداً لا يستطيع توقّع الموجودين على الطرف الآخر».

ومن دون الدعم الأميركي للثوار إذاً، يقول المسؤول الاستخباري نفسه، إن «حلم إردوغان بنشوء دولة عميلة في سورية بدأ يتبخر، وهو يظن أننا السبب فيما يحصل. حين تفوز سورية بالحرب، هو يعرف أن الثوار سينقلبون عليه على الأرجح، إذ لا مكان آخر يذهبون إليه. بعبارة أخرى، سينتشر آلاف المتطرفين حينها في جوار بلده».

وقد أخبرني مستشار استخباري أميركي أنه شاهد ملخّصاً سرياً من إعداد ديمبسي ووزير الدفاع تشاك هيغل، قبل أسابيع قليلة من هجوم 21 أغسطس، وهو يَصِف حالة «القلق الشديد» التي انتابت إدارة إردوغان بشأن تلاشي فرص الثوار.

وحذّر ذلك التحليل من توجّه القيادة التركية إلى اتخاذ خطوة قادرة على تسريع الرد العسكري الأميركي».

وبحلول أواخر الصيف، كان الجيش السوري لا يزال متفوقاً على الثوار، وكانت القوة الجوية الأميركية وحدها قادرة على تغيير الوضع، برأي المسؤول الاستخباري السابق. وفي فصل الخريف، تابع المحللون في «الاستخبارات» الأميركية تحليل أحداث 21 أغسطس واستنتجوا أن سورية لم تنفّذ الهجوم بالغاز. كيف وقع ذلك الهجوم إذاً؟ كان الأتراك من أوائل المُشتبه بهم، لأنهم يملكون جميع العناصر التي تسمح بحصول الاعتداء.

غاز السارين

يقول هيرش في كتابه إنه بعد اعتراض الاتصالات وجمع بيانات أخرى عن اعتداءات 21 أغسطس، حصلت الأوساط الاستخبارية على أدلة تدعم شكوكها. يقول المسؤول الاستخباري السابق: «نعرف الآن أنها كانت عملية سرية خطّط لها أعوان إردوغان لجعل أوباما يتجاوز الخط الأحمر. لقد كانوا مضطرين لتصعيد الوضع إلى حد إطلاق هجوم بالغاز داخل دمشق أو في جوارها أثناء وجود مفتشي الأمم المتحدة هناك (وصلوا إلى دمشق في 18 أغسطس لإجراء تحقيق حول استعمال الغاز سابقاً).

كان الاتفاق يقضي بتنفيذ عملية مدهشة. تبلّغ كبار ضباطنا العسكريين من وكالة استخبارات الدفاع ومجموعات استخبارية أخرى أن غاز السارين كان يصل عن طريق تركيا، وأنه ما كان ليصل إلى هناك من دون دعم هذا البلد.

كذلك، قدّم الأتراك التدريبات اللازمة لإنتاج السارين والتعامل معه». صدرت معظم المواقف الداعمة لذلك التقييم من الأتراك أنفسهم عبر أحاديث جرى اعتراضها بعد شن الهجوم مباشرة.

«اتضحت أبرز الأدلة في بهجة الأتراك بعد الاعتداء والتهاني التي تبادلوها في عدد من الاتصالات التي تم اعتراضها. دائماً ما تكون العمليات بالغة السرّية في مرحلة التخطيط، لكن تذهب هذه الجهود أدراج الرياح عند إبداء ردود أفعال احتفالية مفرطة في المرحلة اللاحقة».

انتهت مشاكل أردوغان في سورية بعد فترة قصيرة: «تبخّر الغاز، وتكلم أوباما عن الخط الأحمر، وبدأت الولايات المتحدة تستعد لمهاجمة سورية، أو هكذا كانت الخطة الأصلية على الأقل. لكن لم تَسِر الأمور بالشكل المخطط له».

لم تصل المعلومات الاستخبارية المتعلقة بتركيا بعد الاعتداء إلى البيت الأبيض. يقول المسؤول الاستخباري السابق: «لم يرغب أحد في التكلم عن هذه المسألة كلها. يتردد الكثيرون في معارضة الرئيس، مع أن أياً من التحليلات الاستخبارية المشتقة من جميع المصادر لا يدعم نزعته إلى إصدار الأحكام على الآخرين. لم ينشر البيت الأبيض أي وثيقة فيها أدلة إضافية على تورط سورية في الهجوم بغاز السارين منذ إلغاء عملية القصف. حكومتي لا تستطيع قول أي شيء، لأننا تصرفنا بطريقة غير مسؤولة. وبما أننا لُمْنا الأسد سابقاً، لا يمكننا أن نلوم إردوغان الآن».

تلاعب بالأحداث

أفاد هيرش في كتابه أنه اتّضح استعداد تركيا للتلاعب بالأحداث في سورية لتحقيق غاياتها الخاصة، قبل بضعة أيام من بدء جولة انتخابات محلية، عند نشر تسجيل على «يوتيوب» يقال إنه مرتبط باجتماع حكومي عن الأمن القومي. شمل ذلك التسجيل نقاشاً حول عملية مزيفة لتبرير توغل الجيش التركي في سورية. كانت تلك العملية تتمحور حول ضريح سليمان شاه، (جدّ السلطان عثمان الأول، مؤسس السلطنة العثمانية)، وهو يقع بالقرب من حلب، وتم التنازل عنه لمصلحة تركيا عام 1921، حين كانت سورية خاضعة للحُكم الفرنسي. كانت واحدة من الجماعات الإسلامية المتمردة تُهدد بتدمير الضريح، باعتباره موقعاً لعبادة الأصنام، وكانت إدارة إردوغان تُهدد بالرد علناً إذا أصيب الموقع بأي ضرر. وفق تقرير نشرته وكالة رويترز عن المحادثة المسرّبة، تكلّم صوت قيل إنه يعود إلى حقان فيدان عن القيام بعمل استفزازي، فقال: «اسمع يا قائدي، إذا كان التبرير ضرورياً، إليك هذا التبرير: أرسلتُ 4 رجال إلى الطرف الآخر. جعلتُهم يطلقون 8 صواريخ في أرض فارغة (في جوار الضريح). لا مشكلة في ذلك. يمكن اختراع أي تبرير».

واعترفت الحكومة التركية بحصول اجتماع أمني لمناقشة التهديدات المنبثقة من سورية، لكنها تكلمت عن التلاعب بالتسجيل. وأعاقت الحكومة في المرحلة اللاحقة وصول عامة الناس إلى «يوتيوب».

ما لم يحصل تغيير جذري في السياسة التي يطبّقها أوباما، من المتوقع أن تستمر الحرب الأهلية في سورية. يقول المسؤول الاستخباري السابق: «سألتُ زملائي عن وجود أي طريقة لوقف دعم إردوغان المستمر للثوار، لا سيما بعد انحراف مسار هذا الدعم الآن. جاءني الجواب التالي: «لقد انتهى أمرنا».

كان الكشف عن الموضوع ممكناً لو لم يكن إردوغان متورطاً في هذه المسألة، لكن تُعتبر تركيا حالة خاصة. هي حليفة لـ «الناتو»، والأتراك لا يثقون بالغرب، ولا يستطيعون التعايش معنا إذا اضطلعنا بأي دور ناشط يتعارض مع المصالح التركية. وإذا كشفنا ما نعرفه عن دور إردوغان في استعمال الغاز علناً، سيصبح الوضع كارثياً.

سيقول الأتراك حينها: «نحن نكرهكم لأنكم تفرضون علينا ما يمكننا فعله، وما نعجز عن فعله».