يقول أحمد شوقي في مقدمة قصيدته في رثاء أبيه:

سَأَلوني لِمَ لَم أَرثِ أَبي وَرِثاءُ الأَبِ دَينٌ أَيُّ دَين

أَيُّها اللُوّامُ ما أَظلَمَكُم أَينَ لي العَقلُ الَّذي يُسعِدُ أَين

Ad

يا أَبي ما أَنتَ في ذا أَوَّلٌ كُلُّ نَفسٍ لِلمَنايا فَرضُ عَين

هَلَكَت قَبلَكَ ناسٌ وَقُرى وَنَعى الناعونَ خَيرَ الثِقَلَين

ها قد مضت سنة على انتقالك إلى جوار ربك، وهأنذا أجد نفسي لأول مرة أخرج عن صمتي لمواجهة هذا المصاب الجلل، فتجدني يا أبي عند اشتياقي لك قد بدأت بقراءة مؤلفاتك ومقالاتك فأجد النصيحة وكأنك مازلت معي تنصحني وترشدني، وأبدأ بقراءة كلماتك مستحضراً صوتك وأرى ابتسامتك المعهودة كأنك تراني وأنا أفهم معانيك المخفية بين السطور.

هكذا حاربت حزن فراقك يا أبي بتذكر مآثرك، ولعلي اليوم بعد مرور سنة على وفاتك أستذكر مع محبيك وأصدقائك وطلابك حتى يلتئم جرحهم ويذهب أساهم.

كان، رحمه الله، قد جمع مقالاته الفكرية والسياسية والأدبية في كتاب أسماه «شموع على الطريق»، وكل ما قرأته أجده رغم مرور الزمن يطابق حاضرنا، فكأن تلك الشموع أصبحت منارات خالدة على الطريق في زمننا هذا حتى يهتدى بها.

كان أبي- بشهادة من عاصره وزامله- رجلا شغوفا بالعلم محبا للمعرفة ساهم باختصاصه العلمي بالكثير من المؤلفات الأكاديمية التي خلدته في صفاحتها، وأصبحت مهما طال الزمن مرجعا قائما ودائما لأصحاب الاختصاص.

وكان محباً لوطنه بشدة فقد أفنى سنوات عمره بالوظيفة العامة، فكان من مؤسسي الحرس الوطني وتقلده منصب أول مدير عام للهيئة الإدارية، وعين كذلك مديراً عاماً لمؤسسة الموانئ فنهض بها وباسم الكويت بالمحافل الدولية، وكان أكبر دليل على ما عرف من أبي من أمانة وصدق وحب العلم تعيينه من الأمير الراحل الشيخ صباح السالم مديراً عاماً لمبرته الخيرية التي كانت تساعد الطلبة العرب في استكمال تعليمهم، وكان شغفه الدائم بالتعليم الجامعي هو الدافع لاستمراره بالتدريس بجامعة الكويت حتى تقاعده.

كان أبي يمازح أصدقاءه عند سؤالهم عن حاله، فبعد أن يحمد الله، يردد عليهم أبيات أبي العلاء المعري:

تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعْـــ ــجَـبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ

فكانت سخرية القدر في زهده من هذه الحياة المليئة بالتعب، أن أمده الله بطول العمر وحسن الخاتمة.

صحيح أن فقد الأب مصاب عظيم وألم يعتصر القلب، إلا أن وجود الأهل والأصحاب ومواساتهم وتعازيهم لها وقع عظيم، فهي تمسح على القلب وتعين على الصبر، وسماع وقراءة ذكرياتهم مع أبي تزرع الابتسامة رغم الألم والحزن.

يختتم أحمد شوقي قصيدته في رثاء أبيه:

لَيتَ شِعري هَل لَنا أَن نَلتَقي مَرَّةً أَم ذا اِفتِراقُ المَلَوَين

وَإِذا مُتُّ وَأودِعتُ الثَرى أَنَلقَّى حُفرَةً أَو حُفرَتَين

أسأل الله لك الرحمة والمغفرة يا أبي وأن يجمعني معك في أعلى عليين وجميع أموات المسلمين.