تقول أوساط سياسية في بغداد إن الهدوء النسبي الذي عاشه العراق مع تولي محمد شياع السوداني رئاسة الحكومة قبل بضعة أشهر انتهى. وقد بدأ الأمر مع زيارة غريبة لرئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي لطهران بدعوة رسمية الشهر الماضي، حيث التقى كبار المسؤولين خصوصاً وزير الخارجية حسين أمير عبداللهيان، ومن خلال البيان الإيراني الصادر عنه، يبدو أن غرض الزيارة يتعلق بحاجة طهران إلى تكتيكات الكاظمي الذي بدأ في عهده وساطة بين طهران والرياض، فضلاً عن توصيل أو اقتراح رسائل بين الإيرانيين والإدارة الأميركية.

وعلقت مصادر مطلعة، في حديث مع «الجريدة»، بأن واشنطن لم تقرر بعد التعامل في القضايا العميقة مع السوداني، وأن طهران شعرت بذلك وطرحت أسئلة عديدة على الكاظمي بشأن ملفات عالقة مع واشنطن، خصوصاً التشدد الأميركي في تحويلات الدولار إلى العراق وهو أمر أحدث هزة عميقة في السوق العراقي، وأضر بشكل فادح صادرات إيران إلى جارها العربي والمقدرة بنحو 15 مليار دولار سنوياً.

Ad

لكن زيارة الكاظمي إلى طهران، حسب المصادر، «أزعجت حلفاء إيران العراقيين» مثل زعيم حزب الدعوة نوري المالكي وعدد من الفصائل المسلحة. ومجمل الأمر دفع المالكي إلى استعجال حلفائه لتعديل قانون الانتخابات الذي استفاد منه التيار الصدري والمدنيون كثيراً في تغيير الموازين السياسية خلال الانتخابات الأخيرة، لولا انسحاب الكتلة الصدرية الكبيرة من البرلمان الخريف الماضي.

وأطلق التيار الصدري إشارات جدية إلى أنه لن يسكت إذا جرى تعديل قانون الانتخابات من دوائر متعددة إلى النظام القديم الذي يخدم الأحزاب. وقبل نحو أسبوع ظهرت «سرايا السلام»، وهي الجناح العسكري لمقتدى الصدر، أمام المطعم التركي في بغداد، وهو بناية مهجورة تطل على نهر دجلة وتقابل قصر الحكومة والسفارة الإيرانية، وقام أتباع الصدر بمنع دوريات الشرطة وعناصر الميليشيات، من السيطرة على المبنى الشاهق الذي أصبح أيقونة في الاحتجاجات الشعبية العارمة في الفترة بين 2019 و2020.

ويخشى خصوم الصدر بوضوح أن ينظم تياره احتجاجاً واسعاً على تعديل متوقع لقانون الانتخابات ويتخذ من هذا المكان مركزاً لاعتصاماته، وهو أخطر ما يهدد حكومة السوداني التي شكلها خصوم التيار الصدري. والأمر برمته أدى إلى تأجيل مناقشات قانون الانتخابات حتى إشعار آخر، رغم أن المالكي يلح على البرلمان كل يوم بالاستعجال وتجاهل غضب الصدريين واعتراضات التيار المدني.

لكن تأجيل الاصطدام بالصدر دفع كما يبدو إلى تحريك ملف الكاظمي وفريقه مرة أخرى، إذ صدرت مذكرات استقدام واعتقال بحق عدد من مساعديه ومستشاريه، إلى جانب وزير المالية السابق علي علاوي، رغم تمتعه بحصانة عائلية وقربه من مرجعية النجف ومكتب آية الله علي السيستاني.

وأصدر الكاظمي بياناً غاضباً (على غير عادته)، وقال إن هذه تصفية سياسية يتعرض لها هو وكل من عمل معه، مطالباً بتحقيق دولي في قضية عرفت بـ «سرقة القرن» تم خلالها الاستيلاء على نحو 3 مليارات دولار من أمانات ضريبية أودعتها شركات النفط العملاقة عند بنوك الحكومة.

في المقابل، تستخدم الفصائل هذا الملف لاتهام أبرز مساعدي الكاظمي المدنيين والعسكريين، وسط تسريبات بوجود نوايا لاعتقال العشرات من قادة التيار المدني، تمهيداً للتعامل بشكل جدي مع قانون الانتخابات الحالي الذي لا يخدم حلفاء إيران إلى حد كبير.