إذا سألت أي لبناني عن أسباب الأزمة المتعددة الأوجه والمتشعبة الآثار التي تهدد كيان بلاده، يجيب الذي يرى نفسه مستقلاً في آرائه ووطنياً في قناعاته: «كلن يعني كلن»، وذلك بغية تلافي معضلة الدخول بالتفاصيل ومحاولة لتبرئة الذات أمام مرآة الضمير وميزان المحاسبة الوطنية، أما الغالبية العظمى من هذا الشعب فتتحكم في إجابتها أهواء حزبية أو انتماءات طائفية أو تبعية مصلحية، فيجد المؤيدون لما سمي «محور الممانعة» أن الشعب اللبناني يجني حالياً النتائج الكارثية لتوجهات «الحريرية السياسية»، في حين يرى «السياديون» أن ما يحصل هو نتيجة مباشرة وحتمية لارتباطات وحروب وتدخلات حزب الله في لبنان وخارجه، إلا أن جميع الأطراف يقرّون بأن الشعب اللبناني يدفع ضريبة الحرب الأهلية وسياسة تقاسم الحصص وتبادل المصالح وتغلغل الفساد وفلتان الحدود، الأمر الذي لم يصل معه أحد إلى جرأة الكشف عن المتورطين أو النجاح في فضح المستفيدين، وذلك تحت وطأة ما يروج ويمارس بأن كشف المستور سينال من سمعة معظم أفراد المجتمع وسيطيح برأس كاشفه أو بأحسن الأحوال سيؤدي الى تهميشه وتسخيف طروحاته!

وبمحاولة موضوعية وصادقة لتحليل الانهيار المريع الذي وصل إليه الكيان اللبناني ومجتمعه على المستويات كافة، نجد أنه يدور في فلك عدة مسببات رئيسة نورد أبرزها فيما يلي:

Ad

• قيام دولة الاستقلال على ركائز هشة واستمرارها على قواعد غير ثابتة من بينها التمسك الفولكلوري- والمسيّس في أغلب الأحيان- بشعار«الميثاقية» التي تعني في حقيقتها تأطيراً دستورياً وتلطيفاً خطابياً لواقع التفرقة والتعصب وعدم الثقة المتبادلة بين شرائح المجتمع اللبناني، الأمر الذي أتبع باجترار مملّ لعبارات «العيش المشترك»، و«وحدة الصف» و«الانصهار الوطني» التي يتم تردادها كبديل غير شرعي عن منطق العيش «الواحد» الواجب في بلد واحد.

• التنكر المقيت لشعور الانتماء الوطني والتخلي البغيض عن موجبات السيادة الحقيقية، الأمر الذي أدى في عمق الأمور الى احتدام الحرب الأهلية التي سمّيت مبالغة ودفعاً للمسؤولية «حرب الآخرين على الأرض اللبنانية»، كما أدى على مر السنين واختلاف المراحل الى الارتماء بأحضان الشرق تارة والغرب طوراً لتحقيق مآرب شخصية ومصالح ذاتية لا تمتّ الى المصلحة الوطنية ولا حتى إلى المصالح الفئوية أو الحزبية بصلة حقيقية.

• الضرب العمدي لهيبة الدولة وتهميش فاعلية مؤسساتها وأجهزتها الدستورية والقضائية والأمنية فسحاً بالمجال لقوى الأمر الواقع أن تفرض قوتها وتبرز دورها في ملء الفراغ القاتل في هذا المجال، وبذلك احتل أصحاب النفوذ موقع اتخاذ القرار، ولعبت الميليشيات دور الجيش والقوى الأمنية، ولم يبق للمواطن إلا اللجوء إلى التيارات والأحزاب وزعماء الحرب وحكّام السلم بمحاولة الحصول على أبسط الحقوق ومقومات العيش الذي بقي «غير كريم»!

• الهيمنة على السلطات واستغلال النفوذ وتسييس القرار والتردد فيه، والشواهد على ذلك كثيرة وخطيرة، من بينها: تحويل الصراع على المناصب الى نزاعات طائفية وفئوية، وهدر المال العام لتكوين الثروات غير المشروعة وتطبيق نهج الترضيات وشراء الولاءات، وسياسة التنمية غير المتوازنة، وحملات التكاذب الإعلامي بهدف التجييش الشعبي لا الإصلاح الحقيقي، ناهيك عن المناكفة والمقاسمة في كل ما يتعلق بتخطيط وتوزيع القليل المنفّذ من مشاريع التنمية والبنية التحتية والكهرباء والماء والسدود... إلخ.

• القضاء على القضاء، بتسييسه والتدخل في عمله والتشكيك في مصداقيته وجعله أرضاً خصبة لزرع الموالين والتابعين، وترجم ذلك في كثير من المحطات التي تم خلالها دعم مرشح لمنصب قضائي على حساب غيره من أهل الثقة والكفاءة، والتأثير الطائفي والمناطقي والسياسي في التشكيلات القضائية، وتحريك يد القضاء وفقاً للأهواء وجعلها قاسية على الضعيف ومكفوفة عن القوي!

• السيطرة على الإعلام وجعله أداة سياسية بامتياز يستخدمها أصحاب السلطة والنفوذ للتأثير بالرأي العام وتأليب الأنفس وتغييب الحقائق وتزوير الوقائع، فبموجب القانون اللبناني الذي صيغ بحبر توافق طائفي، تقاسم المتحاربون والمتصالحون زوراً كل وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، فكانت منصة فاعلة لتسويق طروحاتهم وحشد مناصريهم وتأجيج الصراعات المذهبية والنزاعات المسلحة إن لزم الأمر لتحقيق مصالحهم.

• تهميش الدور المحوري للتنشئة المدنية والتاريخ الوطني الموحد في تكوين وترسيخ قناعات الأجيال، وتراجع العملية التربوية والتعليمية من الموقع الريادي الذي كان يحتله لبنان في هذا المجال الى الاكتفاء ببعض النجاحات التي تسجلها هذه المؤسسة التعليمية أو تلك، بما يشمل التعليم الرسمي المدرسي والجامعي الذي ما زال يحقق بعض الإنجازات رغم مقاومته للكم الهائل من التحديات والضرب الممنهج لمقومات استمراره.

• تبقى الإشارة إلى مساهمة الشعب اللبناني نفسه فيما آلت إليه أموره، حيث لم يقاوم بشكل كاف ترسخّ العنصرية وتجذّر الطائفية في أنفس أجياله، كما استساغ فكرة الرضا بالفتات الذي يتركه له من كوّن زعامته وثروته على حسابه، فكم ركن هذا الشعب البائس إلى نهج التعايش مع الأزمات والتأقلم مع الواقع المرير مستنداً إلى طاقته الاستثنائية في صنع البدائل واجتراح الحلول وقدرته على الاستفادة من التجارب لابتكار مسكنات غير كافية ولا شافية! وكم تباهى الكثيرون منه «بتشاطر» قرّبهم من صور الفساد والإفساد! صحيح أن ذلك ربما يؤكد القدرة الجينية على عدم الاستسلام للمصاعب والحفاظ على الاستقرار النفسي والاجتماعي، ولكن للأمر سلبيات منظورة وربما غير منظورة، ليس أقلها الإرهاق الحتمي، وعدم استدامة الحلول، واستسهال استخدام الطرق غير المشروعة والأساليب الملتوية ضمن مسار «البقاء للأقوى».

***

إن أسوأ ما يمكن أن نفعله للإضرار بأنفسنا- أفراداً ومجتمعات- هو تقليد الوصفة التي سلبت النعمة التي اسمها لبنان ممن لم يقدّر قيمتها! وإن أفضل ما يمكن أن تتحصّن من خلاله الدول والمجتمعات هو التنبه إلى مسببات الانهيار اللبناني ودراستها بحس وطني، وبموضوعية ومسؤولية، تمهيداً للاستعجال بتلافي مسبباتها وإيقاف تداعيات ما قد يكون سبق أن تحقق منها.

* كاتب ومستشار قانوني.