ما من دولة عربية إلا وتشعر أن عقد الخمسينيات والستينيات كان عقد إبداع ومرحلة بروز مواهب ثقافية وفنية على وجه الخصوص، وأن الدنيا كانت مختلفة و«الناس غير»!

ويصعب علينا أن نتجاهل هذا الشعور بالتراجع والانحدار، وأن ننفي «قلة المبدعين» في العديد من المجالات، بل طغيان الفساد اليوم، والارتجال والسطحية، وأحيانا هيمنة «الرجال الجوفين»! فهذه كلها للأسف من الواقع المعيش.

Ad

كان الإحساس الطاغي أن الدول العربية تبحث عما كانت تسميه «النهضة»، وكان العرب من المشرق والمغرب مجمعين على ضرورة «التقدم» في كل مجال و«اللحاق بالآخرين» بل التفوق عليهم.

كان للدنيا والحياة «طعم آخر»، ولم يكن بيننا من يشك أننا على وشك الوصول، ربما إلى أن حلت بنا هزيمة «النكسة» عام 1967، وبعدها لم نر العافية، ولا صفت لنا الحياة. هل كان ذلك فردوسنا المفقود؟

تلك المرحلة بحاجة إلى من يدرسها من مختلف الزوايا ويتأمل ثناياها، وربما يحزن أو يبكي على أطلالها، وهو ما قد نقوم به أو آخرون يقومون به ذات يوم، وقد ساهمت في الكويت «أكاديمية لوياك للفنون» أوائل فبراير الحالي عندما أحيت جلسة حوارية عن عصر السينما والثقافة و«ذاكرة الأندلس»، تلك القاعة التي كانت تعرض الأفلام الرائعة، والمكتبة الملحقة بها، التي تبيع الروايات الشهيرة والمؤلفات الرصينة والمجلات الزاخرة بالحوارات والمجادلات الثقافية في الشعر والتجديد ومختلف المواضيع.

تحدثت «الجريدة» ضمن تقرير شامل عن «الانفتاح الثقافي في السبعينيات»، الذي جعل الكويت «عروس الخليج»، وعرضت احتفاء «لابا» و«أجيال» بذاكرة الأندلس في حلقة حوارية ثالثة، وقد تناول نقاش الحاضرين، أشارت «الجريدة» إلى «الشجاعة التي تميز بها المواطن الكويتي عندما افتتح محلا لبيع أشرطة الأفلام السينمائية، وفي البيوت التي كانت تعرض الأفلام داخل الأحواش، وكذلك الحركة المسرحية.

أكدت السيدة فتوح الدلالي على أكاديمية لوياك للفنون «لابا»، وعلى دور الأكاديمية في إحياء بعض ملامح ذلك العصر، ولاحظت الكاتبة «دلع المفتي» أننا بتنا نتحدث اليوم عن ملامح الانفتاح الثقافي والاجتماعي في الكويت بصيغة الماضي! في حين اعتبرت د. شيخة الجاسم التشدد الديني منذ نهاية السبعينيات قد «أدى الدور الأساسي في غياب الفرح والإنتاج والإبداع الفني»، أما الفنان القدير «جاسم النبهان» فأبرز العطاء المسرحي، وأشاد بالنهضة الثقافية وجهود «لوياك» و«لابا» في إحياء المشهد الفني. (الجريدة 5/ 2/ 2023).

لا يبدو «الانحدار الثقافي» في الكويت، إن كان هذا هو واقع الحال، من فعل قوى وأشخاص وقرارات معينة وحدها، إن كان التشدد الديني معاديا للفنون في كثير من جوانبها، وإن كانت برامج الأحزاب الإسلامية كذلك لا تكثرث بالثقافة العميقة والأدب المسرحي والفنون عموما، فقد حدثت في البلاد كذلك تحولات اجتماعية واسعة إثر انتشار التعليم، وتنوع وسائل الاتصال وإثر التطور الاقتصادي بشدة حتى على حجم قاعات السينما مثلا، ودخلت الميدان عروض وأدوات ثقافية كالتلفاز والإنترنت وسهولة السفر باتت تنافس الثقافة المحلية وما عليها من قيود.

لقد تغير المشهد الثقافي، كما أن الثقافة الكويتية، كسائر ثقافات الدول العربية، تتحرك على جبهتين، محلية وعربية، وهي بالكاد مؤهلة للنجاح إلا قليلا في أحدهما بسبب ضغوط العولمة من الخارج والتدخل الديني والسياسي من الداخل، وانصراف نسبة كبيرة من الجمهور عن الشأن الثقافي، فكيف إذاً ازدهرت الثقافة العربية ما بين 1945- 1975 كل هذا العطاء الأدبي والفني وتزاحم في البروز كل هؤلاء الشعراء والروائيين والكتاب في أكثر من دولة، وظهرت كل تلك الروايات والدواوين والمجلات الثقافية والمسرحيات؟

هل تعاني ثقافة البلدان والأمم المجاورة التراجع نفسه، وهي التي عاشت ظروفا تختلف تماما عن ظروف وتاريخ الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة؟