مرة أخرى يعود السياسي السويدي من أصل دنماركي «راسموس بالودان» الى الواجهة الإعلامية بإقدامه مجدداً على حرق نسخة من القرآن الكريم أمام السفارة التركية في العاصمة السويدية استوكهولم، متحدياً بذلك شعور المسلمين وماساً بأحد أهم مقدساتهم، ومحاولاً بخبث ممنهج تأليب الرأي العام الغربي- المشبع بالخوف من الإسلام «الإسلاموفوبيا»- ضد ردات الفعل المتوقعة من المسلمين، وبخاصة أنه عندما سبق أن أقدم على الفعل نفسه في أبريل 2022، جوبه مع أنصاره في جميع أنحاء السويد بمواجهات عنيفة من جموع المسلمين الغاضبين.

وقد سارعت السلطات السويدية، على أثر الاستنكار الرسمي والشعبي في الدول العربية والإسلامية، الى التنديد بالفعل الدنيء، محاولة بذلك التخفيف من حدة السخط العارم من تكرار مثل هذه الأحداث المستفزة والدنيئة، وملتفة على الدعوة لمقاطعة المنتجات السويدية، ومتلافية اهتزاز أمنها الداخلي.

Ad

وبعد يومين، وبتحد سافر قام زعيم حركة «بيغيدا» المتطرفة المناهضة للإسلام في هولندا «إدوين واجنسفيلد» بإحراق نسخة من القرآن الكريم في مدينة لاهاي الهولندية، وهذا ما يعيد الى الذاكرة ما سبق أن شهدته بعض دول الغرب من أحداث مسيئة للمقدسات الإسلامية، تطورت ردات الفعل عليها الى مواجهات حادة تخللها أضرار بالممتلكات العامة والخاصة، وذلك بتراخ قد يكون مقصوداً وغض نظر لا منطقي من سلطاتها السياسية والأمنية المختصة، مما ساهم في تكريس نزعة «الإسلاموفوبيا» في المجتمعات الغربية، ويذكر في هذا السياق، بعض الأمثلة الأكثر شهرة:

• في 30 سبتمبر 2005 نشرت صحيفة «يولاندس بوستن» الدنماركية رسوماً مسيئة للإسلام ونبيّه الأعظم، وتبعتها في ذلك الصحيفة النرويجية «ماغازينات» التي أعادت، بعد فترة وجيزة، نشر الرسومات المسيئة نفسها، وكذلك فعلت بعض الصحف الأوروبية ولا سيما الصحيفة الألمانية «دي فيلت» والصحيفة الفرنسية «فرانس سوار»، مما أشعل موجات غضب أدت الى إحراق المقار الدبلوماسية والقنصلية لكل من الدنمارك والنرويج في بعض العواصم العربية والاسلامية، وانتشار ملموس لحملة مقاطعة المنتجات الدنماركية.

• في أغسطس 2007 نشرت صحيفة «نيريكس إليهاندا» السويدية رسومات أخرى مسيئة للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، وعلى أثر ذلك قام رئيس وزراء السويد حينها فردريك راينفلدت بلقاء سفراء بعض الدول الإسلامية المؤثرة لتخفيف حدة التوتر.

• في عام 2012، أحدث الفيلم الأميركي «براءة المسلمين»- الرديء تصويراً ومضموناً وأهدافاً- ضجة إعلامية وشعبية كبيرة لما تضمنه من إساءة كبيرة للعقيدة الإسلامية بمقدساتها كافة، مما أدى الى سلسلة من الاحتجاجات الغاضبة تحت شعار «إلا رسول الله» أمام السفارات الأميركية في العديد من الدول الإسلامية، مما دفع هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية آنذاك الى وصف الفيلم بأنه «مقزز ومقرف»، ودفع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما للقول في الأمم المتحدة بأن «الفيلم مقزز وقد أهان أميركا كما أهان المسلمين».

• في عام 2015 نشرت المجلة الفرنسية الساخرة «شارلي إيبدو» كاريكاتيراً مسيئاً للنبي محمد، صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى هجوم على مبنى الصحيفة ومقتل 12 شخصاً، فانقسم العالم بين مبدأ حرية الرأي تحت شعار «أنا شارلي» ومبدأ احترام المقدسات.

• وفي خطوة استفزازية أعادت المجلة الساخرة نفسها في عام 2020 النشر، مما أثار موجة الغضب في العالمين العربي والإسلامي، ولا سيما بعد خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي دافع عن النشر باعتباره «حرية رأي».

***بالعودة الى الحدث الأخير وقيام اليميني المتطرف «راسموس بالودان» بحرق نسخة من القرآن الكريم، ففي حين شهدت ميادين وشوارع بعض الدول العربية والإسلامية تجمهرات شعبية حاشدة وعمّت تركيا احتجاجات غاضبة ورفعاً للأذان على منابرها، كان من اللافت- على غير المعتاد من سوابق في مثل هذه الأحداث المسيئة- أن العواصم الغربية لم تشهد أي أعمال شغب أو تحركات عنيفة، مما قد يوحي بثلاثة أمور جوهرية:

أولها تنطبق عليه نظرية المؤامرة وقوامها أن الدول الأوروبية المشغولة في حرب أوركانيا وتحاشياً لزعزعة أمنها الداخلي لم تسمح هذه المرة بتحريك أو تأجيج التحركات التي من شأنها تكريس «الإسلاموفوبيا»!

الأمر الذي يقابله ثانية، القناعة التي ربما بدأت تترسخ في أذهان مسلمي الغرب بأن ردات الفعل يجب أن تكون مدروسة ومتسقة مع قوانين الدول التي يحملون جنسيتها.

أما السبب الثالث فقد يعود لنجاح التنديد الرسمي السويدي بامتصاص بعض الغضب، الأمر الذي ترددت أو تراخت فيه بعض العواصم الغربية في حالات الإساءة السابقة مما سمح في وقتها بتصاعد ردات الفعل التي وصفت يومها بالعنيفة!

ويبقى السؤال: إضافة إلى المواقف الرسمية المستنكرة والمنددة وربما المهددة، وبخلاف التظاهرات المليونية والدعوة إلى المقاطعة التي يمكن أن تشهدها مدن وعواصم العالم احتجاجاً على كل ما يمس الإسلام ومقدساته، وبالتزامن مع الحملات التوعوية والتثقيفية التي تنبري لها النخب والمؤسسات الإسلامية للتعريف بالدين الحنيف والتقريب بين وجهات النظر الخلافية، هل للمنطق القانوني أي دور أو أثر في المسألة؟

إثر قيام سيدة نمساوية عام 2009 بالتحدث للجمهور عن زيجات الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، بأسلوب ومضمون يشكلان طعناً بمقامه الشريف واستهزاء به، أصدرت المحكمة الجنائية الإقليمية في فيينا بتاريخ 15 فبراير2011 حكمها الذي اعتبر أن التصريحات المسيئة «تهين المعتقدات الدينية» مما يقتضي تجريم صاحبتها وتغريمها لأنها تجاوزت حدود الحرية المكفولة للأشخاص، وحديثها يدخل ضمن نطاق الاستهزاء المجرّم، حيث ينبغي مراعاة مشاعر المؤمنين بالأديان واحترام مقدساتهم.

وبعد وصول القضية الى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أصدرت في 25 أكتوبر 2018 حكماً تاريخياً مفاده أنّ الإساءة للرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- لا تندرج ضمن حرية التعبير، وأن الرسوم المسيئة المذكورة تجاوزت الحد المسموح به في النقاش، معتبرة أن المحاكم المحلية في النمسا «قامت بتوازن دقيق بين حق المرأة في حرية التعبير وحق الآخرين في حماية مشاعرهم الدينية، والحفاظ على السلام الديني»

وبهذا الحكم غير المسبوق، وفي سياق التطبيق السليم لأحكام «اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق مجلس أوروبا، الموقعة في روما بتاريخ 4 نوفمبر 1950» التي تؤكد في المادة التاسعة منها حق الفرد في حرية الفكر والاعتقاد والدين، ويشمل ذلك أيضاً حرية تغيير الدين أو المعتقد، وحرية إظهار الدين عن طريق العبادة والتدريس والممارسة، مع مراعاة بعض القيود التي تتفق مع القانون وتكون ضرورية في المجتمع الديموقراطي، وضعت أعلى المحاكم الأوروربية حداً فاصلاً ومتيناً بين المفهوم السليم لحرية الرأي والتعبير وفوضى التذرع بهذه الحرية للإساءة الى المقدسات الدينية وخاصة الإسلامية.

***على أثر تصوير الحاقدين للمنحى العنيف الذي تأخذه بعض الاحتجاجات على الإساءة لمقدساتنا على أنه صراع بين «الإرهاب الإسلامي وسماحة المعتقدات الأخرى»، سبق أن كتبت قصيدة باللهجة اللبنانية ورد في بعض أبياتها:

شر الخلايق، ما بينتموا لأديان ولا بيعترف فيهم، صلا وركوع

إخوان، ما لِهُم ولا خِلاّن ولا صوت أحقادن واصل ومسموع

بالرسم، بالأفلام، وبأذى القرآن متل اللي ناطر بالحقد ع الكوع

أفضل إجابة عليهم... النكران ولا نعلق بفخّ ال عن عَمد موضوع!

* كاتب ومستشار قانوني