ما كنتُ أوثرُ أن يمتدَّ بي زمني

حتى أرى دولةَ الأوغادِ والسفلِ

لم يكن الشاعر الطغرائي مؤيد الدين الكناني في هذا البيت المعروف من قصيدته المشهورة باسم «لامية العجم» يتحدث عن دولة معيّنة بمفهومنا السياسي الحالي، بقدر ما كان يشير إلى تدهور أحوال أهل زمانه وتصاعد أصوات السفهاء.

Ad

فالطغرائي الذي تولى الوزارة في الدولة السلجوقية التي نشأت وانتهت في بدايات الألفية الميلادية الثانية وتولى ديوان الإنشاء والأختام «الطغراء» كان ناقماً على علو مكانة المتزلفين، وارتفاع أصوات المنافقين، وتقدم أصحاب المدائح والمصالح على العلماء وأهل الرأي والمشورة.

ولعلنا حتى اليوم نعاني، كما شكا الطغرائي، من «دولة» الأوغاد والسفل التي تحدّث عنها في لاميته الشهيرة، وهي ليست دولة بمفهومها السياسي المعاصر، بل انعكاس لسطوة وقوة الجهلاء في المجتمعات، ونراهم اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي على نماذج ذباب إلكتروني معلن وخفي.

نماذج تشيطن أي مقاومة للصهاينة في الأراضي العربية المحتلة، وتسيء لأي صوت عربي أو مسلم يحاول أن يقدم صورة أفضل للعرب والمسلمين في الدول الغربية، وتُستفَز عندما ترى شعباً يتحرر من سطوة حكومة عسكرية، أو يُسقِط حكومة يمينية، أو يتظاهر للتعبير عن حاجاته المعيشية.

هذه النوعية من الحسابات، وربما يكون بعضها ممولاً من أطراف متصهينة، ترى في تنمية الوعي خطراً على مشاريعها، ولديها ردود جاهزة ومعلبة، بل ومريحة لمَن لا يريد أن يُتعِب عقله في التحليل والتفكير.

فعبدالرحمن السيد الفائز بمقعد مجلس الشيوخ في ولاية ميتشغان هو في عقليتهم «إخونجي»، رغم أن عبدالرحمن يُصنَّف من التيار اليساري في الحزب الديموقراطي الأميركي، أما تظاهرات أوروبا، وتحديداً فرنسا، فلدى عقلية هؤلاء تأتي نتيجة تخريب المهاجرين، وليس كما قالت الحكومات والمؤسسات الأوروبية إنها بسبب تنامي مصاعب المعيشة.

بل إن هؤلاء لا يستوعبون فكرة أو قدرة الاتحادات الطلابية في صربيا على رسم مستقبل البلاد عبر الإطاحة بحكومة يمينية فاشلة والإتيان بحكومة أخرى، لأن الطلبة في العقلية التي لا تتعدى «الفريج» يجب أن «يجابلوا دروسهم ولا ينشغلوا بالسياسة» حتى وإن كانت السياسة وما يترتب عليها من وظائف وفرص في واقع الأمر هي مستقبلهم.

بل إن هذه النماذج، التي من المؤكد أنها لا تمثّل أغلبية إنما فقط علا صوتها مع انخفاض هامش الحرية والقدرة في المجتمع على التعبير عن الرأي، تجتهد في منع أي خير عن المحتاجين، حتى ولو كان من خلال القنوات الرسمية، كما أنها لا تمل من «التنبيش» لإلحاق الضرر والأذى بأي شخص.

ستجد هذه النماذج من سفلة القوم وأوغادهم، الذين ينطبق عليهم قول الطغرائي، هي التي تحرّض على قطع الأرزاق وكبح الحريات وتجريد المواطنة وتقسيم المجتمع وأذى كل مَن تستطيع إيذاءه، لذلك فالمسألة ليست خلافاً بالرأي أو الموقف أو الفكر إنما مواجهة ضرورية لأزمة أخلاقية وقيمية يجب ألّا تتفشى في المجتمع.