«الضَّجورُ قَدْ تَحْلبُ العُلْبَة»، و«الضَّجُور» هنا هو كثير الشكوى، أو المُلِحّ في أمره الذي لا يكف عن التذمر والتململ لوضعٍ رافض له، و«الحَلْب» هو حلب اللبن من الناقة أو الشاة، أما «العُلْبَة» فهي إناء صغير قد يكون من الخشب أو الجلد يُحتلب فيه، ولكن، ورغم رغاء الناقة لضجرها سيؤخذ شيء من لبنها.

فــ«الضَّجورُ قَدْ تَحلبُ العُلْبَة» مثل عربي قديم يضرب في الرَّجُل أو المَرْأة الضَّجُور، كثير التَّذمُّر، ويضرب أيضاً في صاحب الهمَّة العالية والحرص الشديد، صاحب الإصرار وإنجاز ما لا يُنجزه المتقاعس الراكن للهدوء، لأنه يقضي حاجته رغم تذمره، ويُظهر من الجَدِّ والحرص والإلحاح في طلب الحوائج ما يجعله يسرع في إنجاز ما بين يديه، وقد قيل في ذلك: إنَّ شدة الإلحاح، وإن صاحَبَها التضجر، فهي تذلل الصعاب ولو كانت صعبة المنال، وقد يضرب أيضاً في البخيل الذي رغم تذمره لابد أن يؤخذ من ماله شيء، ولو كان قليلاً.

وهناك هذا المثل الشبيه بمثلنا: «رُبَّ ساعٍ لقاعدٍ»، وهو يضرب للساعي الدؤوب الذي يسبق بجهده من أقعده الكسل والخنوع، فالصامت الذي لن يظفر بشيء.

Ad

وهذه أقوال تصف الدؤوب اللحوح، ومنها:

وَمَنْ يَصْبِرِ العُقْبَى يَصِلْ لِمُرَادِهِ 

وَمَنْ يُلِج فِي الحَاجَاتِ يَبْلُغْ مَنَالَهَا

دلالة على أن اللجاجة والإلحاح الدائم، حتى لو كانا مصحوبين بالضجر لابد أن يبلغا بصاحبهما إلى غايته، وقال آخر عن اللجوج:

وَما شَيْءٌ يُنالُ بِحُسْنِ رَفْقٍ 

إِذا كَانَ اللِّجاجُ هُوَ المُعِينا

وكثيراً ما يكون الإلحاح المزعج واللجاجة هما السبب في نيل المراد، وليس بالرفق والتمني، فالتململ والتذمر في بعض الأمور قد يكون أمراً محموداً، فهناك من يتذمر لأن إنجاز مشروع مهم قد تأخر، أو إصلاح طرق لم يكتمل، أو مهمة رسمية كان يجب لها أن تنجح، ولكن، وبالتأكيد ليس كل متذمر صاحب همة وإنجاز، فهناك من يتذمر من كل شيء وأمر رغم تفاهته، حتى قيل فيه: «تَضْجَرُ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَتَفِرُّ مِنَ القِرِّ»، فلا هو الذي يرضى بحرارة الصيف، ولا هو الذي يطيق برودة الشتاء، فهو بطبعه كاره لكل ظرف متقلب، دائم التبرم منه.

وهناك المتذمر النزق، الذي يغضب لأتفه الأسباب، فوصف بأنه: «عَلَى طَرَفِ نعْلِهِ»، و«أَحْمَى مِنْ دِيكِ البَادِيَةِ»، و«أَسْرَعُ غَضَباً مِنْ شَرَارَةِ الزَّنْدِ»، فهو «يَشْكُو الخَلَاءَ وَهْوَ فِي المَحْفِلِ»، فقد وصل به داء التبرم إلى حد التشكي حتى وهو في أتم صحة ووفرة مال وحياة منعمة، فهو لا يرى إلا القبح والنقص، وكأن طبعه يمجّ الرضا.

اللهم اجعل أمتنا رافضة متململة ضجرة من المتنمرين عليها...

 «وما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ... إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا».