هل تستطيع الهند بناء صناعة مستدامة لأشباه الموصلات؟ إذا سارت الأمور وفق الخِطط الموضوعة، فقد تُصبح البلاد لاعباً مهماً في سلاسل الإمداد العالمية. ومن شأن ذلك أن يُوفر وظائف عالية الجودة داخل الهند، ويقلل اعتماد الغرب على الصين، ويعزز العلاقات التكنولوجية بين الولايات المتحدة والهند.
لكن النجاح ليس مضموناً على الإطلاق. فإذا تعثرت هذه المبادرة الطموحة، فمن المرجح أن تُذكر باعتبارها مثالاً جديداً على برنامج حكومي مهدِر، بدَّد أموال دافعي الضرائب في مشروع استعراضي لا طائل منه.
ومع ذلك، لا يمكن اتهام حكومة ناريندرا مودي بنقص الطموح. فقد خصصت خلال السنوات الخمس الماضية نحو 23 مليار دولار لدعم بناء منظومة مستدامة لصناعة أشباه الموصلات بالهند، فيما أضافت حكومات الولايات حوافز سخيَّة من ميزانياتها الخاصة.
ووصف تقرير صدر العام الماضي عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هذه المبادرة بأنها محاولة «لاختزال عقود من بناء منظومة صناعية متكاملة في بضع سنوات فقط». ومن بين نحو 12 مشروعاً حصلت على الموافقات حتى الآن، يبرز مصنع لتصنيع رقائق السيليكون في ولاية غوجارات، يُتوقع أن يبدأ التشغيل عام 2028، ومنشأة للتجميع والاختبار في ولاية آسام شمال شرقي البلاد، يُنتظر أن تبدأ الإنتاج التجاري العام المقبل، وأخرى في غوجارات بدأت الإنتاج بالفعل في وقت سابق من هذا العام.
وفي مقابلة هاتفية، يقول كريس ميلر، الأستاذ في جامعة تافتس ومؤلف كتاب «حرب الرقائق»، إن من نقاط قوة الهند امتلاكها قاعدة واسعة من مصممي الرقائق، وروابط قوية بوادي السيليكون، فضلاً عن الدعم الحكومي. ويشير إلى أن «قطاع الإلكترونيات يبحث عن موطن لجزء كبير من التصنيع خارج الصين». كما يمنح حجم الهند وسوقها المحلية الضخمة أفضلية على دول آسيوية أصغر، مثل: ماليزيا، وتايلند، والفلبين.
لكن ثمة أسباباً تدعو إلى التشكيك؛ أولها أن محاولات الهند السابقة لإنشاء صناعة لأشباه الموصلات لم تحقق نتائج تُذكر. ففي خمسينيات القرن الماضي، خلال ذروة التخطيط الاقتصادي في عهد جواهر لال نهرو، أرست الهند أُسس صناعة إلكترونيات تابعة للقطاع العام، توسَّعت لاحقاً إلى تصنيع أشباه الموصلات، لكن مشروعاتها تعثرت بعد بدايات واعدة.
ولم تكن المحاولات في هذا القرن أفضل حالاً. ففي عام 2006، أُعلن مشروع طموح قُرب حيدر آباد، كان يفترض أن يشمل استثماراً بقيمة 500 مليون دولار من شركة أدفانسد مايكرو ديفايسز لصناعة الرقائق، لكنه لم يرَ النور. وبعد ثماني سنوات، فشل مشروعان بارزان آخران لبناء مصانع لتصنيع الرقائق بالهند في تجاوز مرحلة الإعلان.
ويعزو كتاب «عندما تُصبح الرقائق على المحك»، الصادر عام 2023 للخبيرين الهنديين في التكنولوجيا براناي كوتاستاني وأبهيرام مانتشي، هذه الإخفاقات إلى عامل مشترك، هو «بيئة الأعمال غير المواتية في الهند». ويشير المؤلفان إلى أن غموض السياسات والضرائب، وضعف البنية التحتية، وارتفاع الحواجز التجارية، جعلت تصنيع الرقائق استثماراً غير جذاب في البلاد.
فهل تختلف الأمور هذه المرة؟ يستند المتفائلون إلى الاهتمام الشخصي الذي يُبديه رئيس الوزراء مودي بالمبادرة. فقد افتتح الدورات الخمس لمؤتمر «سيمكون إنديا» السنوي، وهو مؤتمر حديث نسبياً مقارنةً بنظائره في الولايات المتحدة وتايوان وكوريا الجنوبية واليابان والصين. كما يلتقي مودي بانتظام قادة شركات أشباه الموصلات، ورفع هذا الملف إلى أعلى مستويات الدبلوماسية الهندية. واختار أشويني فايشناو، وهو تكنوقراط يحظى بتقديرٍ واسع، وزيراً للإلكترونيات وتكنولوجيا المعلومات.
فضلاً عن ذلك، فإن طموحات الهند متواضعة نسبياً. فصانعو السياسات يُدركون أن البلاد لا تقترب من حدود التكنولوجيا المتقدمة في هذا المجال. ومن المقرر أن يبدأ مصنع تصنيع الرقائق، البالغة كُلفته 11 مليار دولار، والذي تبنيه شركة تاتا إلكترونيكس بالشراكة مع شركة باورشيب التايوانية، بإنتاج رقائق تقليدية بسيطة بتقنية 90 نانومتراً، تُستخدم في السيارات والهواتف المحمولة ومعدات إدارة الطاقة. وهذا بعيد تماماً عن السباق المحتدم بين الولايات المتحدة والصين للهيمنة على صناعة الرقائق الأكثر تقدُّماً.
أما معظم المشروعات الأخرى التي أُقرِّت في إطار المبادرة الهندية، فتتركِّز على تجميع الرقائق واختبارها، وهما نشاطان أكثر اعتماداً على العمالة. ويرى ميلر أن نجاح الهند في تجميع الهواتف المحمولة بولاية تاميل نادو الجنوبية يمكن أن يقدِّم نموذجاً يُحتذى به، قائلاً: «ينبغي ألا تبدأوا بأصعب مشكلة، وهي التصنيع المتقدم».
رهان الهند كبير. فصناعة أشباه الموصلات كثيفة رأس المال، وشديدة الارتباط بالأسواق العالمية، وتتطلَّب مستوى من القدرة على التنبؤ بالسياسات والاستقرار التنظيمي، وهو عكس السُّمعة التي اكتسبتها الهند بسبب تقلُّب قراراتها. وإذا تمكَّن مودي وفايشناو من تغيير هذه الصورة، فسيقدِّمان خدمة لبلادهما تتجاوز كثيراً حدود صناعة الرقائق.
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تساعد الهند في تقليص اعتماد العالم على الصين، وتوفير قدرٍ من التنويع الجغرافي لصناعة تتركَّز حالياً في أميركا الشمالية وشرق آسيا. ويقول ميلر: «الهند شريك مهم للولايات المتحدة، لكنها قادرة على أن تُصبح أكثر أهمية بكثير».
* كاتب عمود «الشرق شرق» نصف الشهري حول الهند وجنوب آسيا، ويركز على السياسة والاقتصاد والسياسة الخارجية في المنطقة
* ساداناند دوم