حِقد النظام الإيراني الدفين على جيرانه غير مبرر وليس منطقياً، وقد يكون وراءه أسباب تاريخية، وهي: كيف استطاع عرب الجزيرة هزيمة كسرى وإمبراطوريته رغم قوتها وعظمتها؟ وكيف استطاعوا ترويضها وانتشالها من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام؟ بل وكيف استطاعوا أن يتغلغلوا لغوياً وثقافياً في ضمير الوجدان الإيراني طوعاً لا قسراً.
إيران تعرضت لغزوات واستعمار ومع هذا لم تحقد على مَن اعتدى عليها أو استعمرها، بل واصلت علاقاتها الطبيعية معها.
الإسكندر المقدوني دخل بلاد فارس فاتحاً ومدمراً، إلا أن الثقافة اليونانية بقيت بين أوساط الطبقة الحاكمة، لم تمس العقيدة الدينية أو البنية الاجتماعية للفرس، كما أن الاستعمار البريطاني والروسي لم يغير ولم يؤثر على ثقافة وهوية المجتمع الإيراني، فخرجوا وبقيت إيران كما هي.
أما الفتح العربي الإسلامي لبلاد فارس فكان له طبيعة فريدة جعلت التأثير العربي والإسلامي أعمق وأبقى بكثير في الوجدان الإيراني، فالفتح العربي جاء حاملاً لعقيدة إسلامية شاملة مست حتى تفاصيل حياة الفرد الخاصة، مما جعله يتغلغل في الضمير الإنساني للإيرانيين.
كانت لغات الغزاة اليونانيين والاستعماريين البريطانيين أدوات للتواصل مع الإيرانيين لا غير، أما لغة الفاتحين العرب فقد ارتبطت حروفها ومفرداتها بالقرآن الكريم وبالعبادات، ولهذا لم يكن الفرس مجبرين فقط على قبول الحرف العربي للتواصل، بل أصبح هذا الحرف مقدساً لديهم حين اعتنق معظمهم الإسلام، ليصبح بعدها التراث العربي الإسلامي جزءاً لا يتجزأ من تراثهم الروحي والثقافي.
لم يأتِ الفتح العربي لطمس الفرس أو استعبادهم، ما جعل الفرس لا ينظرون إلى اللغة العربية كشيء مفروض عليهم بل كأداة ارتقائهم المعرفي والديني، فتبنّوها وأغنَوها وبرعوا فيها حتى أصبحت جزءاً أساسياً من تركيبة لغتهم وآدابهم وأشعارهم، وبذلك نجح العرب فيما فشل فيه الإسكندر وبريطانيا، لأنهم قدّموا ديناً وثقافة جامعة ومُشرِّعة للحياة تداخلت مع روح قاطني تلك البلاد، بينما قدم الإسكندر غزواً مدمراً وقدمت بريطانيا مصالح استعمارية عابرة.
هذا العمق في التأثير هو الذي جعل بعضهم، ومنهم النظام الحالي، ينظرون إلى هذا الإرث العربي المؤثر بحقد موروث بدلاً من الشعور له بالامتنان. كل الحضارات القديمة سادت ثم بادت، بعضها باد بسبب الكوارث الطبيعية أو الفساد أو الحروب والهزائم ومنها الحضارتان العربية والفارسية.
كل الحضارات تركت بصمات على غيرها، والكل تقبل من الكل. بصمات الحضارة العربية ولغتها وصلت إلى أصقاع الدنيا، ولكن تأثيرها على إيران كان الأبرز.
العالم أجمع، المنتصر منهم والمهزوم تعايش مع واقعه الحالي، بلا أحقاد تاريخية، فهي سنة الحياة، كل الحضارات التي سادت ثم بادت استطاعت أن تنسى جراحات وندوب الماضي إلا النظام الإيراني، فحقده منصب علينا.
بلاد الأندلس احتلها العرب على مدى 800 عام، وبعد أن تحررت حافظت على التراث العربي، بل اعتزت به وجعلته جزءاً من تاريخها. كم نتمنى أن يثوب هذا النظام إلى رشده، وأن يعيش بلا أحقاد كباقي أمم هذه الأرض.