هل يعرف الطفل الذي يقف مبهوراً أمام أحواض المركز العلمي، أو المريض الذي يراجع معهد دسمان للسكري، أن وراء ما يراه مؤسسة تحتفل هذا العام بمرور خمسين عاماً على تأسيسها؟ خطر لي هذا السؤال وأنا أقرأ خبر الاحتفالية، وتوقفت عند الرقم طويلاً. خمسون عاماً تعني أجيالاً من الباحثين، وأفكاراً وجدت من يدعمها، ومؤسسات صارت جزءاً من حياتنا، ويستحيل ان تذهب إلى أي مؤتمرات علمية عربية أو دولية دون أن يقترن ذكر الكويت باسم «KFAS»، وهي لحظة لا يملك المرء أمامها إلا أن يشعر بالفخر والزهو لهذا الصرح العلمي، وأن يشكر كل من كان مخلصاً في الحفاظ على إنجازات المؤسسة وسمعتها على مدى عقود.
فقد تأسست مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 1976، وكانت وما زالت الشركات الكويتية شريكاً في دعم المعرفة، عبر التزامها بتخصيص نسبة من صافي أرباحها السنوية لتمويل المؤسسة، تبلغ حالياً واحداً في المئة.
ومنذ ذلك الحين، دعمت المؤسسة أكثر من 500 منحة بحثية، وأطلقت «جائزة الكويت» عام 1979 لتكريم العلماء الكويتيين والعرب، إلى جانب جائزة جابر الأحمد للباحثين الشباب، ومن المراكز المرتبطة بمسيرتها معهد دسمان للسكري، والمركز العلمي، ومركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع، وتجمع هذه المؤسسات فكرة بسيطة أن تخرج المعرفة من المختبرات لتصل إلى الناس.
وكعادة الكويت في مد يدها الإيجابية إلى خارج حدودها فقد امتد أثر المؤسسة إلى المنطقة والعالم، ومن ذلك تعاونها مع المركز الدولي للفيزياء النظرية لدعم التنمية العلمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي السنوات الأخيرة اتجهت أنظارها إلى الفضاء، فدعمت القمر الاصطناعي «كويت سات 1» الذي أُطلق عام 2023، ثم أُعلن تأسيس مركز الكويت الوطني لأبحاث الفضاء عام 2024، ووقعت المؤسسة وجامعة الكويت اتفاقية تأسيسه وتشغيله في العام التالي.
ونفتخر بأن من يتولى دفة قيادة هذا الصرح العلمي كفاءة وقامة علمية كويتية هي الدكتورة أمينة رجب فرحان، أول امرأة تتولى منصب المدير العام وهي أستاذة فيزياء بجامعة الكويت ورئيسة سابقة لقسم الفيزياء، وعملت مستشارة علمية ومديرة لبرنامج البحوث في المؤسسة، كما قادت مشروع مركز الكويت للبيانات النووية لسنوات، ما يميز الفرحان أنها تعرف احتياجات الباحث من الداخل، وتدرك ما يتطلبه بناء البرامج والشراكات.
وفي الذكرى الخمسين، جاءت زيارة صاحب السمو أمير البلاد للمؤسسة، ورعاية سمو رئيس مجلس الوزراء احتفالها، لتؤكدا أن العلم والعلماء يحظون بدعم القيادة واهتمامها، وأن البحث العلمي سيبقى جزءاً أصيلاً من رؤية الكويت لمستقبلها وبعد نصف قرن، يبقى الفخر بهذه المؤسسة فخراً بكل باحث آمنت به، وبكل فكرة صغيرة وجدت من يحتضنها حتى صار لها أثر.